عندما ذكر الفيلسوف والاقتصادي كارل ماركس جملته الشهيرة:
(التاريخ يعيد نفسه، مرة كمأساة ومرة كمهزلة)،
كان يقارن بين الثورة الفرنسية الكبرى بوصفها مأساة، وثورة لويس نابليون بوصفها مهزلة.
غير أن التاريخ، في الحقيقة، لا يكرر نفسه في الثورات فحسب، بل يعيد إنتاج الكثير من الظواهر والأحداث الشائعة قبلها وبعدها، وحتى يومنا هذا، لكنها تعود دومًا بكساء مختلف.
في العصر الأموي، وتحديدًا في عام 700 ميلادي، في الكوفة والمدينة المنورة، برزت قصة الخِمار الأسود الشهيرة، وهي من القصص التراثية المعروفة، المرتبطة بالشاعر المتنسك ربيعة بن عامر، المعروف بلقب مسكين الدارمي.
تبدأ أحداث القصة بقدوم تاجر من الكوفة إلى المدينة المنورة، يحمل كمية كبيرة من الأقمشة المخصصة لصناعة الخُمُر (جمع خِمار، وهو غطاء الرأس).
وفي الوقت الذي نفدت فيه جميع الألوان، بقي اللون الأسود دون إقبال من نساء المدينة آنذاك. ظنّ التاجر أن بضاعته قد كسدت، فشكا حاله إلى صديقه الشاعر مسكين الدارمي.في ذلك الوقت، كان الدارمي قد اعتزل الشعر والغناء، وتفرغ للعبادة، لكنه رقّ لحال صديقه، وقرر مساعدته بطريقة مبتكرة. خرج في صباح اليوم التالي بحلته الأولى، وشرع بإنشاد قصيدته الشهيرة، التي ما لبثت أن انتشرت بين الناس كالنار في الهشيم، وكان مطلعها:
قل للمليحة بالخمار الأسودِ
ماذا فعلتِ بزاهدٍ متعبدِ
قد كان شَمَّر للصلاة إزارهُ
حتى قعدتِ له بباب المسجدِ
ردّي عليهِ صلاتهُ وصيامهُ
ولا تقتليهِ بحق دين محمدِ
وخلال فترة وجيزة، انتشرت الأبيات بين الفتيات، وبفعل قوة تأثير الشعر، دبّ التنافس على اقتناء الخمار الأسود، حتى نفدت البضاعة بالكامل في وقت قياسي.
وبعد عصور عديدة، أعاد التاريخ نفسه في العصر الحديث، وتحديدًا في عام 2025، لكن هذه المرة كان الوشاح الأحمر هو بطل الحكاية، لا الخمار الأسود.
وعند العودة إلى العصور القديمة، وتحديدًا إلى اليابان القديمة، نجد أن القصة ذاتها تتكرر بسياق مختلف. فقد ارتبطت هناك أسطورة شعبية بخيطٍ أحمر غير مرئي، يُربط في الإصبع الخنصر أو الكاحل لكل شخص، ويصل بينه وبين شريك حياته المقدّر.
ويمثل هذا الخيط القدر والارتباط الأبدي بين الشخصين، حيث يُعد اللون الأحمر لونًا مقدسًا ومهمًا في الثقافة اليابانية.
أما في عصرنا الحديث، فقد امتدت هذه الثقافة الشعبية إلى المتاجر المحلية والمواقع الإلكترونية، وتم استثمار الوشاح الأحمر الذي يرمز للحب والقدر كأداة إعلان تجاري.
وأصبح الوشاح الأحمر، في بعض التفسيرات الحديثة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، رمزًا للحب الأبدي، ما أدى إلى إقبال مبالغ فيه عليه، لدرجة أن عدم تقديمه كهدية بات يُفسَّر أحيانًا على أنه دليل على غياب الحب، وهو ما تسبب في زعزعة بعض العلاقات.
لقد تحوّل الأمر إلى ترند شائع، وأسهم التقليد الأعمى في تفكيك روابط وعهود لا يمكن أن يفككها خيط أحمر أو إشاعة وافدة من ثقافة أخرى.
وهنا نصل إلى حقيقة مهمة:
إن معرفتنا بتاريخ الوشاح الأحمر ينبغي أن تدفعنا للتساؤل: متى نكفّ عن الشعور بالنقص لعدم امتلاكه؟
فالعلم بالحقيقة وحده لا يكفي، ما لم يُترجم إلى وعيٍ وسلوك.
وينطبق هذا القول على كثير من الظواهر السطحية، بل إن بعضها – وللأسف – غير أخلاقي، في ظل انحلال بات سمة بارزة في مجتمعاتنا اليوم، ولا أجد سببًا لذلك سوى قلة الوعي، وانتشار العقل الجمعي، والتبعية العمياء، وانجراف البعض في مهاوي الرذيلة تحت مسميات زائفة كالتطور والحداثة.
بقلم: الكاتبة ميساء الحياني



إرسال التعليق