جاري التحميل الآن

حوار: الشاعر الجزائري  جمال بعلي  ضيف  على ضفاف الإبداع

حوار: الشاعر الجزائري  جمال بعلي  ضيف  على ضفاف الإبداع

اليوم نسلّط الضوء على الشاعر جمال بعلي، الذي يُنصت لما هو خفيّ في الإنسان، فيحوّل القلق والحنين إلى لغةٍ عميقة المعنى. في شعره تتقاطع الذات مع الوجود، وتغدو التجربة الفردية مرآةً للوجع الإنساني، حيث لا تكتفي القصيدة بالبوح، بل تفتح أفقًا للتأمّل والبحث عن الأسئلة غير المعلنة.

messenger_creation_0fc4eacd-e582-4513-855e-4f0c425bce4f7440634028582092507 حوار: الشاعر الجزائري  جمال بعلي  ضيف  على ضفاف الإبداع

س1: كيف أسهمت طفولتك وذكرياتك الأولى في تشكيل إحساسك بالجمال واللغة، ومتى تحوّل هذا الإحساس إلى وعي شعري حقيقي؟

ج1: الطفل يبقى يجذبنا إلى براءة النفس و الطيبة، قسنطينة مدينة البهاء والجمال، الإنتماء يسكننا بربيعها و روابيها…( غالبًا ما تبدأ العلاقة بالجمال واللغة قبل أن نملك وعيًا بهما) الطفولة لا تعلّمنا الكلمات بقدر ما تعلّمنا الإيقاع: نبرة صوت الأم، صمت البيت في الظهيرة، أسماء الأشياء، شجرة التوت العملاقة،  نبع الماء …الخوف الأول، الدهشة الأولى. يتشكّل الذوق الجمالي بلا قصد.  حكايا الأم في المساء، حلقات النكات تربية العصافير 

صخب التعب ( في جلب الماء) وأغاني المواسم .

التحوّل إلى وعي شعري حقيقي لا يكون لحظة واحدة.

التحول الحقيقي كان في التلاغمة، بعد ان تنبأ لي أحد الأساتذة.

messenger_creation_7b835b1c-c6e0-41da-8c72-9adfacd7570d321181956689941534 حوار: الشاعر الجزائري  جمال بعلي  ضيف  على ضفاف الإبداع

س2: ما أثر نشأتك في أحد الأحياء الشعبية بمدينة قسنطينة على تكوينك الفني والثقافي؟

  ج 2: الأماكن المفتوحة، تكسبك ذلك الإنعتاق من ضيق المكان و الجدران الباردة إلى فضاءات المرج والوادي…في حيّنا الشعبي بقسنطينة، كانت البنايات على عل منحدر، يطل على مساحات خضراء وكانت كل ألعالنا و حروبنا ( كنا نسمي شقاوتنا الطفولية حربا) . لا أعرف هل كانت تلك إشارات، فأنا لم أحب المشاركة في تلك الحروب، وكنت أحكيها كما عرفت كيف يحكي بعد ذلك هيرودوث.

في إحتفالات المولد تقام الأناشيد و التمثيليات في مسجد الحي، وتكون ليلة نصغي لتلاوة القرآن و المدائح …

تشكل في داخلي وله بالكلمة المغنّات و طريقة الإنشاد.

في مدينتي الثانية التلاغمة، ذات الطابع الريفي الذي يوحي بروحانية ( صوفية) تبلورت كينونتي (  شعريا) 

من خلال المسرح و حلقات الذكر والسماع التي كانت تقام بزوايا المدينة.

س3: توقفتَ عن الدراسة في مرحلة مبكرة، كيف انعكس ذلك على مسارك الفكري، وكيف أسهمت القراءة الذاتية واحتكاكك بالمثقفين في بناء وعيك الأدبي؟

ج3:في الحقيقة لا أعرف بالتحديد، هل انعكس ذلك سلبا، ام كان محفزا و دافعا . في مرحلة الثانوية بعد كتابة نص، نظر فيه أحد الأساتذة وقال: جمال ستصبح شاعرا وكانت تلك النبوءة. في الأول لم أعي حقيقة ذلك، لكن شغف كان يقذفني إلى الأمام …بدات أقرا و الكاتب الذي إختطفني و ملأ عليا عقلي وقلبي كان “طه حسين” و العقاد، قبل قراءتي جبران. طه حسين علمني الإصرار و التحرر من قيود ( النمطية)، ثم انفتحت مصارع القراءة ، وكانت الاسواق الشعبية يباع فيها الكتاب بثمن قليل، كما كان ما يسمى ( الريميس) او تحت جسر سيدي راشد سوقا الكتاب ايضا و في أزقة السويقة، قرأت في المتن العربي القديم و افتتنت بالمتنبي في كبريائه، قرأت في الشعر الجزائري و الاجنبي مترجما …قرأت مالك حداد شاعرا وكذلك محمد ذيب.و كانت لنا لقاءات بنادي الإثنين .

تعرفت على الاديب والشاعر “محمد زتيلي ” و منحني فرصة النشر بجريدة ( الشرق الجزائري) و تعرفت إلى الصحفي سليم بوفنداسة و علاوة جروة وهبي…اكتشفت تنوعا فكريا وإبداعيا، عرفت مسؤولية الكلمة ايضا .

س4: ما الذي جذبك إلى قصيدة النثر، وكيف ترى حدودها وإمكاناتها مقارنة بالقصيدة العمودية؟

ج4: في الاول، علينا الإتفاق على أن الشعر فن من الفنون المختلطة الجميلة، يرتبط بقدرة التعبير لغة. قصيدة النثر ربما هي التي اكتشفتني شاعرا، و جدتني اروض اللغة بإنعتاقها من ذلك القفص أو السياج التي تسرح داخله، و اشتغلت على كسر القفل لتنعتق اللغة في فضاءات المتنوع ( الشعر فن ممكن) ربما لهذا لا يقبل بكثير من القيود… انا لست ضد  العمود الشعري العربي بل أقرا المنجز العربي في القصيدة العمودية( لشعراء الازمان القديمة و المعاصرة…أحب ححازي و البيّاتي كما أعشق الجواهري) . ما بين مرونة التجديد وتمرد الرفض الذي أعلنه أنسي الحاج . التنظير لقصيدة النثر يحررها من

الشكل، وينظر إلى الشاعرية و قدرة الشاعر على الخلق.

لقصيدة النثر إمكانات واسعة ( قوّتها في حريتها، وخطرها أيضًا في هذه الحرية إن غابت الرؤية والوعي الجمالي)

حرية في الشكل، كثافة في اللغة، الإنزياح و الصورة…تداخل الأجناس، مواكبة روح العصر. هي نص غير ثابت فأدونيس يعتبرها نصا غير كامل أو منتهي، قصيدة النثر ( إيمانها قوي بالتجريب) .

س5: كيف تتعامل مع مفهوم “النص المفتوح” وتشظياته في كتابتك، ولماذا تعتبره تطورًا لما بعد تجربة أدونيس؟

ج5: يعتبر أدونيس احد اقوى المنظرين لقصيدة النثر، بل تحول لاحد علاماتها وتجاوزه يعد تحديا ايضا.( تجربة أمجد ناصر) تغير المجتمات ، الفلسفات ، الأفكار ( الصورة ) والوعي الجمالي والذوقية تقلص مساحات ( الكتابة) واختصاراتها بتأثير وسائل التواصل ( و الفضاء الازرق) الشاشة …ظهور القصيدة التفاعلية . هو نفسه ( أدونيس ) يؤمن بالتجريب .وان قصيدة النثر غير منتهيةإلى شكل ( صنمي) …هل أصبح تجاوز أدونيس ممكنا اليوم؟ 

على فكرة هناك تجارب قوية أيضا في القصيدة النثرية كسركون   بولص (شاعر الهامش لا المركز). أعتبره أكثر حداثة. النص المفتوح في قصيدة النثر هو نص يرفض الاكتمال والإغلاق، ويبقي معناه في حالة حركة دائمة.

س6: ما الذي أضافته تجربتك في المسرح والهواية إلى لغتك الشعرية وبناء الصورة في نصوصك؟

ج6: الصورة كحدث و قدرة التشخيص و الإنفتاح على الأجناس وتداخلها كان أحد آليات قصيدة النثر . منها المسرح والتي أوحت في وجه من وجوهه بنص ( القصيدة الحوارية) لها جذور في الثرات الشعري العربي. اللغة تجاوزت إلى اليومي( لغة خبرة لا لغة وصف) ، فهي ترفض الخطابية المتفاخمة.

س7: ما الفروق الجوهرية بين الكتابة الصحفية والثقافية وكتابة الشعر، من حيث التأثير وحرية التعبير؟

ج7:  الصحافة تخاطب واقعا، تنقل معلومة، ترتبط بحدث ولها لغتها من الوضوح و القصدية المباشرة.ولها هامش من حرية التعبير (الخط السياسي الجريدة مثلا )

واخلاقيات المهنة ( يعني هناك قيود)

 الثقافة: تفسّر الواقع وتفككه( تسمح بالرأي، التحليل، والتأويل) خطرها في ارتباطها بالإديولوحية أو تاثيرات ( الغزو الثقافي والفكري).

messenger_creation_d6f9a314-55d0-4fe6-afa2-89c21e8312db7072840020251025396-768x1024 حوار: الشاعر الجزائري  جمال بعلي  ضيف  على ضفاف الإبداع

الشعر: يعيد خلق الواقع أو الهروب منه. هامش الحرية واسع، لغة طيّعة ،لا تخضع لقوانين صارمة حتى في الشكل أو الفكرة.

تسمح بالرمز، الغموض، والانزياح…بل حتى بكسر اللغة ، تأثيرها غير آني، متماهي مخادع ( فنيا) نموذج الكتابات الأديبة ( كليلة ودمنة) أو حكايا إسوب.

س8: كيف أثّر التدوين عبر المنصات الإلكترونية في علاقتك بالقراء وفي رؤيتك للكتابة والتلقي؟

ج8: التدوين فتح لي فضاءات واسعة، مكنتني من نشر افكاري والتعبيير عن قناعتي في الثقافة و الحياة. فمنصة كالحوار المتمدن، أنشر فيه قصائدي ومقالات في الادب والحياه.أعتقد ان هذه المنصات تساهم في بلورة حوار الحضارات والتثاقف الإنساني. 

س9: حدّثنا عن دواوينك الثلاثة: «جديلة الظل»، «الرصيف يزهر بالأغنيات»، و«ديستوبيا مدينة يحتويها الغبار»، وما الهاجس أو الفكرة التي تميّز كل ديوان؟

messenger_creation_69f2329b-01d5-4e4c-be83-e61cc4d1e0c96561003153814725889 حوار: الشاعر الجزائري  جمال بعلي  ضيف  على ضفاف الإبداع

ج9:  جديلة الظل

أركز على الهامش والمسكوت عنه، من خلال الرمزية المرتبطة بالظل والجديلة. 

الطابع العام للتجربة تأملي وفلسفي، يعكس اغتراب الإنسان وانشغاله بالوجود.

   الرصيف يزهر بالأغنيات

أتوجه إلى اليومي ، حيث يُحوّل تفاصيل الرصيف البسيطة إلى أغنيات رمزية.

يعكس الامل المفقود ضمن المشهد الاجتماعي المألوف، ويظل الرمزي والإيحائي حاضرًا لكنه أقل قسوة من «ديستوبيا مدينة…».

 ديستوبيا مدينة يحتويها الغبار

يتخذ طابعًا نقديا، مع التركيز على المدينة الحديثة كفضاء خانق.الغبار رمز للخراب ، ما يعكس توترًا وجوديًا بين الفرد والمدينة.

لدي

س10: ما الموضوعات أو الأسئلة الكبرى التي تتقاطع في تجربتك الشعرية، وهل تراها امتدادًا لتجربتك الذاتية؟

ج10: سؤال الشعر أولا. و لماذا اكتب؟ هذا السؤال محوري 

والإجابة عليه تحدد إلتزام الكاتب . كتبت ذلك في مقالي: هل الشعر نخبوي؟ . (ما غيّر رؤيتي حقًا، هو أن الشعر ليس مجرد مهارة تُتقن، بل مسؤولية تُحمل، وأن القراءة ليست تراكمًا، بل تهذيب للذائقة والوعي) من مقالي_ علمني الشعر_  

تثيرنا ايضا القراءات المختلفة بأسئلتها في تجديد الخطاب الفكري الثقافي العربي .

س11: ما فلسفتك في اختيار عناوين الدواوين أو القصائد؟ وهل يمثّل العنوان لديك عتبةً لقراءة النص؟

ج11: في البداية تخطفني الفكرة، أكتب النص، بعض النصوص تأتي دفقة واحدة، البعض يتم على اوقات .

إختيار العنوان ليس بالسهل، بل ربما يكون أصعب من النص نفسه . فهو أول ما يواجه القارئ…

بعض العناوين تكون مقطع من القصيدة، قد يكون عنوان خارج النص . كما أن هناك قصيدة تحمل روح المنجز الشعري فتكون عنوان المجموعة، كما في ( الرصيف يزهر بالأغنيات) وهناك ما أسميها قصيدة الديوان، ليس نصا فيه ولكنها تعبر عنه ك(جديلة الظل) 

  • ديستوبيا مدينة يحتويها الغبار عنوان مركب.

نعم يعتبر العنوان عتبة لقراءة النص فهو : يضبط توقعات القارئ حول الفكرة، أو كمفتاح توريطي، أن تخطف فضوله .

س12: كيف أثّرت مشاركاتك في الملتقيات والأنشطة الثقافية على تطور رؤيتك الشعرية وصقل أسلوبك؟

ج12: الإحتكاك يساهم في بناء إختلاف ممكن، لكن لا تزال في الجزائر نظرة حذرة  لقصيدة النثر … أسلوبي أصقله أكثر بالقراءة و خاصة مع روادها ومدارسها الحديثة .

س13: ما المشاريع الشعرية أو الأدبية التي تعمل عليها حاليًا، وكيف تتصوّر ملامح كتاباتك القادمة؟

ج 13:أشتغل على مخطوط جديد، يكاد يكون مكتملا، في قصيدة النثر، بعنوان أولي_ عرش على حجر نرد

اسعى لتطوير لغتي و الشكل الخارجي لقصيدتي…

ما يسمح لي أيضا ببلوغ اكثر التاثيرات البصرية للنص.

 

messenger_creation_0fc4eacd-e582-4513-855e-4f0c425bce4f2396383068333117226-794x1024 حوار: الشاعر الجزائري  جمال بعلي  ضيف  على ضفاف الإبداع

_ كلمة أخيرة تودّ توجيهها للقرّاء و للصّحيفة

_ اولا أشكر الصحيفة بكل محبة لإتاحتها لي فرصةً للبوح و التحدث عن تجربتي الشعرية .

ما أقوله دائما : علينا بالقراءة واحترام الآخر . 

إرسال التعليق