الجزء الثاني: المحتوى والمادة المقدمة :
1- القوة والثراء والعنف والتدمير
إن المحتوى المقدَّم في هذه المسلسلات والأفلام يلامس بدرجة كبيرة الرغبات والنزعات الإنسانية الدفينة، ويركّز على محورين أساسيين: القوة والثراء والحياة من جهة، والعنف والتدمير والموت من جهة أخرى. ويعكس ذلك السعي إلى امتلاك الثروة والقوة والنفوذ، حتى وإن كان ذلك عن طريق العنف والتدمير، بما قد يرسّخ فكرة أن الغاية تبرر الوسيلة، ويؤدي إلى إحداث فجوة في المنظومة الإنسانية التي ينبغي أن تجعل الإنسان غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة لتحقيق الأهداف.
ويظهر ذلك من خلال استخدام القوة المفرطة وسحق الخصم وتدميره، أو على العكس، تصوير الثراء الفاحش والإغداق في كل شيء، مع التأكيد على استمرارية الثراء وعدم انقطاعه. وعلى الرغم من رمزية هذه الصور، فإن تكرارها بكثرة قد يجعل المتلقي أكثر ألفة بها وتعلّقًا بأنماطها البصرية والسمعية، وهو ما قد يؤثر في اهتمامه وتوقعاته، ويحفّزه على البحث عن أنماط مشابهة في الواقع أو العالم الافتراضي، الأمر الذي قد يسهم في نشوء سلوكيات الاستخدام المفرط أو التعلّق بالمحتوى.
2- الطاقات البشرية والقدرات الخارقة والرموز العددية والهندسية
يتناول بعض الأعمال دمج الهوية الإنسانية للفرد بهوية حيوانية مرتبطة به، مع إمكانية التحول السريع من الصورة البشرية إلى الصورة الحيوانية والعودة مجددًا، وفقًا للحاجة أو الهدف الدرامي. وفي هذه النقطة تحديدًا، تظهر إشكالية تتعلق بصورة الإنسان ومكانته، خصوصًا عندما يُقدَّم التحول بين الإنسان والحيوان وكأنه أمر ممكن بصورة مباشرة، إلى جانب تصوير قدرات مثل مخاطبة الحيوانات والتحدث معها بلغة البشر، وغيرها من القدرات التي يتخيلها الإنسان ويحلم بها.
يركّز بعض هذه الأعمال على الطاقات البشرية والقدرات الخارقة، ويبرزها بصورة مبالغ فيها، مع استخدام الرموز العددية والهندسية أحيانًا لإضفاء المصداقية على العرض. والمقصود هنا ليس توظيف هذه الرموز في حد ذاته، بل استخدامها بصورة مضلّلة لتسويق العمل وتعزيز الإيحاء بواقعية ما يقدّمه، مثل القدرة على إحياء الموتى، والسفر عبر الزمن، والتحكم في الطبيعة، وغيرها من القدرات التي يتخيلها الإنسان ويحلم بامتلاكها. فكيف يكون تأثيرها في المتلقي عندما يراها متجسدة أمامه في صور ومشاهد تبدو شديدة الواقعية؟
لقد تناولت الثقافات الجمعية لمختلف المجتمعات، منذ زمن بعيد، موضوع قدرات الإنسان والطاقات التي يمتلكها، وكيفية الاستفادة منها وتحريرها أو إبقائها كامنة، فضلًا عن التصورات المتعلقة بتوجيهها وزيادتها أو تقليلها ومسارات تأثيرها في الإنسان. وفي هذا المجال، ظهرت العديد من الكتب والمؤلفات التي تناولت هذه الموضوعات من منظور شخصي، مستندةً إلى الخبرات الذاتية وتجارب محددة؛ استطاع بعض الأشخاص، بحسب رواياتهم، الاستفادة منها، بينما بقي بعضها الآخر مجرد تصورات أو موضوعات ثقافية متداولة في الكتب والمكتبات.
ويشكّل الخوض في هذا المجال إشكالية ثقافية في حد ذاته؛ فهناك من يؤمن بهذه القدرات والتصورات، في حين يشكك آخرون في صحتها أو لا يقتنعون بها. ومن ثم، فإن تقديم هذه الموضوعات بصورة مكثفة ومقنعة قد يعزز إيمان المقتنع بها، ويدفع غير المقتنع إلى إعادة النظر في موقفه. وقد يتحول التصوير العميق والمكثف لهذه الموضوعات إلى وسيلة للتأثير في تصورات المتلقي وتوجيه اهتمامه بعيدًا عن القضايا المرتبطة بواقعه الإنساني الفعلي.
3- دمج الهوية الإنسانية بالهوية الحيوانية
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تتجسد هذه التصورات في مشاهد سينمائية تبدو شديدة الواقعية، وتحاكي الصور الذهنية والموروثات الثقافية الراسخة في وعي الأفراد وذاكرتهم الجمعية. وقد تثير هذه المعالجة تساؤلات دينية وثقافية لدى مجتمعات متعددة، لا سيما عندما ترتبط بتفسيرات معينة للنصوص الدينية أو برموز ذات دلالات عميقة في الموروث الثقافي.
وفي هذا السياق، يمكن الاستشهاد بالآية القرآنية الواردة في سورة الأنعام، حيث يقول الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38].
وتشير الآية إلى أن الدواب والطيور أممٌ لها وجودها ونظمها، وأن بينها وبين الإنسان وجهًا من أوجه المماثلة، دون أن يعني ذلك التطابق التام في الهوية أو الطبيعة. ويمكن فهم هذه المماثلة في سياق وجود الجماعات والعلاقات وأنماط الحياة والتواصل، مع مراعاة اختلاف طبيعة كل كائن وخصائصه.
وعليه، فإن ما يُقدَّم في بعض الأفلام قد يتجاوز فكرة المماثلة بين الإنسان والحيوان إلى تصوير التطابق بينهما أو اقتران هويتيهما، بما يفتح المجال أمام قراءة نقدية للكيفية التي تُستخدم بها هذه الرموز والمعاني في الأعمال الدرامية.
4- قيمة الإنسان بين قدراته الفردية وإنسانيته
تتضمن بعض الأعمال حالات درامية متناقضة؛ تتمثل الحالة الأولى في وجود أم تربي أطفالها بمفردها دون معرفة هوية الأب، ثم تكتشف هويته من خلال القدرات الاستثنائية التي يمتلكها الأطفال أو الطاقات التي تظهر عليهم.
أما الحالة الثانية، فتتمثل في أسرة تتخلى عن طفلها أو ترفضه بسبب عدم امتلاكه قدرات مماثلة لقدرات أفرادها أو طاقاتهم. وهنا تبرز إشكالية تتمثل في اختزال قيمة الإنسان في قدراته ومواهبه، وإهمال إنسانيته وتفرّده وخصوصيته الذاتية، وكأن قيمة الفرد تتحدد بما يمتلكه من قدرات استثنائية، لا بكونه إنسانًا له كرامته وحقوقه وخصائصه المستقلة.
ويرتبط بذلك استخدام مفردات ومصطلحات مثل «الدم النقي»، و«السلالة الصافية»، و«نقاء السلالة»، وغيرها من التعبيرات التي توحي بإمكانية تصنيف البشر وفقًا لدرجة نقاء أصولهم أو تفوق سلالاتهم. وهذه التصورات، عندما تُقدَّم باعتبارها حقائق بيولوجية مطلقة، لا تتوافق مع المعرفة العلمية الحديثة في علم الوراثة البشرية، التي تؤكد تعقّد التنوع الوراثي بين البشر وتداخل أصولهم، وعدم وجود سلالات بشرية نقية بالمعنى المطلق الذي توحي به هذه المصطلحات.


إرسال التعليق