جاري التحميل الآن

خريطةٌ لا تكذب بقلم  الأستاذة مرام حمود

خريطةٌ لا تكذب بقلم  الأستاذة مرام حمود

تتعلّم الوجوه مع الأيام كيف تتقن الادّعاء؛ نُدرّب ملامحنا على الابتسام في أوقات التعب، ونرسم التماسك فوق انكساراتنا الكبيرة ليراها العالم كما ينبغي. غير أنّ الأيدي تظلّ دوماً خارج هذه اللعبة؛ لا تعرف الكذب، ولا تُجيد ارتداء الأقنعة. إنّها الأرشيف الصادق والحيّ لكلّ ما مررنا به، والخريطة الوحيدة التي لا تخطئ في إظهار الحقيقة. وعلى مساحتها الصغيرة تتشابك الخطوط والتجاعيد والندوب القديمة، لتختصر تاريخاً كاملاً من التناقض البشري.

تبدأ الرحلة من يد الطفل الناعمة الصافية، تلك التي تقبض على الفراغ ببراءة، وكأنّها تحاول امتلاك الكون بكفّ ملساء لم تخطّ عليها الحياة تجاعيدها بعد. وتستمرّ المسيرة حتى تصل إلى يد الشيخوخة المرتجفة، المحفورة بآثار الزمان، حيث تحكي العروق البارزة والجلد الرقيق قصّة العمر بأكمله، وتلخّص كيف عبر هذا الإنسان الأيام بحلوها ومرّها.

وعلى امتداد هذا العمر، تتعدّد أدوار الأيدي وتتنوّع ملامحها. فهناك اليد العاملة التي تُفني نفسها في الجهد الصامت؛ تنهكها الساعات الطويلة، وتحمل قسوة المشقّة لتمنح الآخرين الأمان، وتدفع ضريبة بقائهم من جلدها وتعبها دون شكوى. وهناك اليد التي تبتكر وتُبدع، تلك التي تتأمّل الفراغ وتلمس اللاشيء لتستخرج منه جمالاً أو معالم أو تفاصيل تعيد تشكيل العالم؛ حيث تتجلّى قدرتها الساحرة في تحويل الطين أو الورق الصامت إلى ملامح تنبض بالروح وتتجاوز حدود الزمان.

وعلى مسافة ليست ببعيدة، تتجلّى اليد التي تُرمّم وتُساعد؛ الكفّ الدافئة التي تمتدّ في لحظة الانكشاف لتلتقط سقطات الآخرين، وتربّت على القلق، وتصنع فارقاً هادئاً بين الشفاء والانهيار. وحتى حين تعجز الكلمات ويخيّم الصمت، تصبح اليد لغةً بحدّ ذاتها؛ تتحدّث بالإشارات، وتصل بين الأرواح بلغة خفيّة يفهمها القلب قبل العقل.

ولكن، في المقابل، تحفظ الذاكرة الإنسانية أيضاً أثر اليد التي تقسو وتؤذي؛ تلك التي تترك ندوباً لا تُنسى حين تستخدم قوّتها لتجريح ما هو رقيق، لتذكّرنا بأنّ اليد هي ذاتها الأداة التي نختار بها إمّا بناء الأرواح وإمّا هدمها. والتباين بين اليد التي تقبض بشدّة، وتغلق كفّها بحزم على ما تخاف فقدانه، واليد التي تفرك أصابعها بعضها ببعض بتوتّر بحثاً عن طمأنينة غائبة، أو تلك التي تعلّمت أخيراً كيف تسترخي لتدع الأشياء ترحل بسلام، هو التباين ذاته بين الخوف والحرية.

نحن نتواصل بالأيدي بقدر ما نتواصل بالكلمات، وربّما أكثر؛ فالارتجافة الخفيفة في أطراف الأصابع تُفشي السرّ الذي نحاول إخفاءه، والامتداد الدافئ لكفّ متردّدة نحو أخرى مكسورة يستطيع أن يرمّم ما لا تقدر عليه أعتى النصوص والوعود.

تخبرنا الأيدي، بملمس جلدها المتباين بين نسيج حريري ناعم وجلد خشن صلب، عن طبيعة المعارك التي خاضها أصحابها، بينما تجعل البصمة الدقيقة المحفورة على أطراف الأصابع كلّ لمسة منّا توقيعاً لا يمكن تقليده.

إنّ الأيدي هي الجسر الذي يحوّل أفكارنا الداخلية إلى أثر ملموس. وحتى حين تنتهي الكلمات، وتغيب الملامح عن الذاكرة، تبقى ذكريات اللمسات حيّة في أرجاء الروح، لتذكّرنا بأنّنا عبرنا من هنا، وأنّنا، في نهاية الأمر، اخترنا بأيدينا كيف نترك أثرنا في هذا العالم.
✍🏼 آ. مرام حمود

إرسال التعليق