حكاية الكاتب والفنان التشكيلي : #علي حسن نفنوف من سوريا / محافظة طرطوس إعداد: أ. #ناهدحمود
حكاية “علي نفنوف”.. من ظل الزنزلخت إلى بوح النوارس..
( حين تُصنع الأجنحة من طين السهل )
_تعالوا أحدثكم عن طفل.. لا أظن أنه كان يتخيل يوماً، وهو يجلس تحت ظلال شجرة التوت العتيقة وإلى جوارها شجرة “زنزلخت” تتقاسمان حراسة أيامه، أنه سيصبح شاعراً، أو فناناً تشكيلياً، أو إعلامياً.
في قرية “الجعفريات”، المتاخمة للسهل العكاري المفتوح على حدود لبنان، لم يكن ذلك الصغير ينتظر انتهاء أهله من فتح “علبة السردين” ليأكل فحسب، بل كان ينتظر اللحظة التي يظفر فيها بتلك العلبة الفارغة! يغسلها بعناية، ليصنع منها عربة نقل وشاحنة صغيرة يجر خلفها تراب الأرض.
-تلك الشجرة كانت سريره وغرفة نومه ومكتبه؛ فمنذ صغره وهو يعشق المدى ويكره الغرف المغلقة.
-وهناك، دون أن يدري، بدأ يبتكر من بساطة الأشياء عالماً يخصه وحده. بينما كان الآخرون يبحثون عن الوجبة، كان هو يبحث عن سر الاختراع والتمرُّد المبكر.
-وفي بيئة قروية بعيدة يرى أهلها أن التهريب يغني بينما الدراسة لا تمنح سوى التعب، اختار بوعي غامض أن يسلك طريقاً آخر لا يعرف إلى أين سيقوده.
-ففي عام 1988.. وبينما كان طالباً في الثانوية، يخط قلمه أول مادة صحفية تنشرها جريدة “الثورة” في أوج مجدها، ليحصل على “بطاقة مراسل شعبي”.
لكن، يا لهول ما حدث في طريق عودته من المدرسة استوقفه أحد الجيران بلهجة امتزجت بالرعب والاستهجان:
«يا رزيل، كاتب مقالب بالجريدة! روح خبّيها واطمرها، أحسن ما يشوفوها أهل الضيعة، بتصير مسخرة وفرجة!»
تخيلوا.. خطوته الأولى نحو الحلم تُعامل كجريمة يجب التستر عليها! طوى الجريدة بوجل بين كتبه وخوفه، لكن شيئاً في داخله لم ينطفئ. واليوم، حين يستعيد تلك اللحظة، يدرك أن المسافة لم تكن بعيدة بين علبة السردين التي صنع منها شاحنة، والجريدة التي أخفاها؛ ففي الحالتين كان يحاول أن يصنع شيئاً من لا شيء.



-وفي شريط الذاكرة مشهد لا ينطفىء؛ جارة لهم من المدينة كانت تحمله طفلاً وتغني له بحنو شديد: «بيع الجمل يا علي، واشتري المهر إلي». وكان زوجها يثور غضباً لمجرد سماعها، فينتزعه ويرميه على الأرض..
بعد غيابها، أخبرته أمه أنها “هربت مع علي”.. الحبيب الذي كان يغار منه الزوج.
هكذا اكتشف لاحقاً أنه وُلد في قلب حكاية حب أقدم منه، وأن اسمه كان يعبر في أغنية تحمل سراً لا يدركه.
-كبر الطفل، والتحق بوظيفة رسمية.. وهنا بدأت المحاكمة القاسية! سجن أنيق يرتدي فيه ربطة عنق وحقيبة جميلة، يتنقل بين الدوائر ليرى بأم عينه ترهل الإدارات وفساد الأخلاق، ومكائد الأقارب التي صدمت روحه.
حين شعر أن الهاوية تقترب، اتخذ القرار الأجرأ: باع سيارته، واشتري بثمنها كاميرا وعدسات!
سخر منه الأصدقاء هازئين: “غداً ستسافر على ظهر الكاميرا!”. لكن الكاميرا أخذته إلى اللامألوف.. إلى طائر النورس. صار “صياداً ماهراً للنوارس”، يعشق ذلك المارد المتمرد الذي يطارد العاصفة ويتحدى البحر، لأنه وجد فيه روحه الحرة.







-وفي لحظات اليأس وغربة الروح، نظر إلى قامة العظيم أدونيس، وكيف لطفل قروي أن يبلغ العالمية بالتمرد والنقاء، فقرر أن يتحدى نفسه أولاً ويبقي “علي نفنوف”.
وحين كان الوجع يلتهم روحه أمام مقابر الوطن المجانية، أدرك أن بين الموت الحياة خيطاً رفيعاً، فكان يمسك به ليطهّر روحه بالبحث عن الوجع حتى يشفى.
ولهذا كان يعشق الخريف؛ الفصل المتمرد الذي يعري الأشجار لا ليقضي عليها، بل ليقول بصدق إن التعري أناقة، وأنه مقدمة حتمية لعودة النهوض.
-فإذا كانت حياته كتاباً، فعنوان مسرحيته سيكون: المأساة والملهاة.
و رغم وعورة الطريق، لم يترك فرحاً إلا وزاره، وظلت الابتسامة مفتاحه السحري لكل الأبواب.
وكانت وصيته لكم:
“لا تنتظر من يمنحك المدى.. كن أنت المدى.
ولا تنتظر من يمنحك الفرصة.. كن أنت الفرصة.”
والقيمة المطلقة التي يغرسها في قلوبنا هي “الحب”.. بمعناه الروحي والعقلاني وهو الله. فلا قصيدة تكتمل بلا حب، ولا لوحة تُرسَم بلا حب، ولا موت يهون إلا إذا أدركنا أنه طريق إلى الله.











_وفي نهاية الحكاية وجّه علي نفنوف كلمة لنا : اليوم، إذ نقف في برنامج “حكايا الناس” هذه المبادرة التي وقفت أمام من يشبهني والتي تروي حكاية من وثق عذابات الناس وأفراحهم ونجاحاتهم وإبداعاتهم ، ننحني لهذا الألق، لنؤكد أن الحكاية لا تنتهي طالما أن في القلب نبضاً للجمال والنضال والغد الأجمل الذي سيصل يوماً ما إلى غاية الحب..
حكايا_الناس
✍️ إعداد: أ. #ناهدحمود 📰 صحيفة #نحوالشروق



إرسال التعليق