حكاية الدكتورة ريم حرفوش: “نبض لا يعرف الانكسار” ياسمينة دمشقية بجذور ساحلية
ريم جمالحرفوش.. توقفت عن تعريف نفسي منذ أدركتُ أن بعض الأسماء حين تُذكر، تتولى هي مَهمة التعريف بذاتها، وتختصرُ بوقعها كل الحكايا. من محافظة اللاذقية حملتُ الأصالة، وفي أزقة دمشق وبين بيوت “المزة جبل فيلات” نسجتُ أولى خيوط شخصيتي. طفولتي كانت مزيجاً من عطر الغوطة، وحلاوة مشمشها، وهيبة نهر بردى وهو يمرُّ واثقاً كأحلامي. في تلك المنطقة، حيث تتناغم الطوائف وتتداخل العائلات بمحبة فطرية، تعلمتُ أن المجتمع يُبنى على الثقة، وأن الاختلاف هو سرُّ الجمال.
_كنتُ تلك الطفلة التي تقف على المنابر، تحصد جوائز الخطابة والفصاحة، وتجسد الأدوار على مسارح سوريا. تلك اللحظات، وتلك التكريمات، لم تكن مجرد أوراق وصور، بل كانت “الوقود” الذي جعل من طفلتي ذات السبع سنوات تنظر إليّ اليوم بدهشة؛ فكيف لهذه الروح أن تخوض حياة صاخبة، عالية الخطورة، دون أن يرمش لها جفن خوف أو تتراجع خطوة واحدة؟







لم أكن ابنة عادية، كنتُ ابنة الأستاذ “جمال حرفوش”. ذلك المناضل، ومدرس الرياضيات الذي طوّع الأرقام ببراعة وروح فكاهة ساخرة، وبطل الشطرنج الذي كان يرى الحياة رقعة تحدٍّ. كان يقول لي دائماً: “في أي معركة.. لا مجال للهزيمة، ولا يموت حقٌ وراءه مطالب”. درستُ طب الأسنان، لكن روحي كانت ترفض جدران العيادة الضيقة أو روتين الوظيفة. كنتُ أبحث عن “الإنسان” في داخلي، فالتحقتُ ببرامج التدخل المبكر، وفي عام 2008، بدأت رحلتي مع مركز “أنا وطفلي”. هناك، لم يكن النجاح هدفاً بحد ذاته، بل كان العمل الإنساني هو الصلاة اليومية عندما عصفت الأزمة ببلادي، وجدتُ نفسي في قلب النار، أعمل مع متضرري الحرب بمختلف أطيافهم. كان من المستحيل العودة لنقطة الصفر؛ فالمظلومية السورية جعلتنا جميعاً على خط واحد من الألم. سهرتُ ونمتُ على أصوات القهر والخذلان، ومن هنا.. تحول صوتي من “طبيبة” إلى “مقاتلة” في وجه كل من خان الأمانة أو استغل كرسيه.
مررتُ بلحظات قاسية، تذكرتُ فيها مشهداً سينمائياً حزيناً حين حُصرتُ في مكان ضيق تحت درج قديم، أواجه جداراً ومغسلة متهالكة تنقط ماءً برتابة قاتلة.. تساءلتُ حينها: “هل يستحق إيماننا بالعمل أن ننتهي هكذا؟”. لكن الفجر كان دائماً يحمل الجواب: “نعم، يستحق”، لأنهض في اليوم التالي أكثر قوة وفخراً.
اليوم، أجمع خواطري في ديوان يلامس أوجاعنا، وأؤمن أن من يدافع عن قضية بصدق، يترك بصمة لا يمحوها أحد. عائلتي وزوجي كانوا السند الذي لم يملّ، ومعهم أدركتُ أن الاستمرار هو نبض الحياة الحقيقي.
ورغم انشغالي بقضايا الأطفال ذوي الإعاقة والتوحد، وبرامج دعم المرأة والمراهقين، بقيت “الأم” هي البوصلة. في بيتي، كان كل شيء يجري بسباق مع الزمن؛ بين تدريس أولادي (د. قتيبة، د. جلنار، د. لين) وبين مسؤولياتي التطوعية. سعادتي القصوى تكمن في تفاصيل بسيطة، كطهي “المعكرونة بالبشاميل” التي يحبها أولادي رغم تعبها، أو الرقص في حفلة فرح بقلب طفلة.




_اليوم، أجمع خواطري في ديوان يلامس أوجاعنا، وأؤمن أن من يدافع عن قضية بصدق، يترك بصمة لا يمحوها أحد. عائلتي وزوجي كانوا السند الذي لم يملّ، ومعهم أدركتُ أن الاستمرار هو نبض الحياة الحقيقي.
_حكمتي : تمهل قليلاً وأنت تتقدم، ليلحق بك من يسعى ليكون مثلك.. لا تترك أحداً خلفك، فالطريق تتسع للجميع.”
فحكايتي لم تنتهِ بعد، فكل تجربة -بحلوها ومرها- جعلت مني حالة فريدة، وأنا اليوم أبدأ من جديد، بذاكرة جميلة، وقلبٍ يتسع للكل.




































كل الحبِّ والشكرِ لكِ يا ناهد، والشكرُ موصولٌ بفيضِ التقدير لصحيفة (نحو الشروق الجزائرية).. فلقد كان لتداعي الذكريات الجميلة معكم وقْع السحر، جَعلني أقفُ على عتباتِ الأمل من جديد، وأستمدُّ القوة لأبدأ رحلةً أخرى مِلؤها العطاء. د. ريم حرفوش من #حكاياالناس.. إلى قلوب الناس.
برنامج حكايا الناس..



إرسال التعليق