_ثمة قلوب لا تمرّ على الأرض عابرة، بل تترك في كل شبرٍ منها أثراً أخضرَ يشي بالحياة.
في حلقة اليوم من ( حكايا الناس )، نسافر معاً إلى حكاية تفيض خضاراً وجمالاً.
بطلتها لم تكتفِ بدراسة علم الأرض، بل جعلت من الطبيعة وطناً، ومن الأشجار أصدقاء يُسرّون إليها بأسرارهم.
هي المهندسة الزراعية الطموحة سُهاد علي..
ابنة طرطوس التي غزلَت من أغصان الشجر وبتلات الزهر أجمل حكاية نجاح.
سهاد لم ترَ في الأرض مجرد مساحةٍ للزراعة، بل رأتها لوحةً تنتظر من يعيد إليها بريقها.
بأصابعها التي تشبه غصون الياسمين، وبإرادةٍ صلبة كجذور السنديان السوري، حاطت نفسها بالطبيعة، وتنفست عبير التراب، لتصنع من الصخر جنة، وتثبت أن الطموح عندما يرتوي بالشغف، يثمرُ قصةً تُلهم القلوب وتُبهج الأنظار.


إنها المهندسة : #سهادعلي
من سوريا / محافظة طرطوس
_سهاد الإنسانة الابنة الكبرى، والوحيدة بين شقيقين لوالدين لم يبخلا يوماً بعمرٍ أو جهدٍ ليصنعا لنا غداً أجمل. كبرتُ وأنا أرى كفاحهما يُثمر فينا أملاً، ويحمي أحلامنا الصغيرة.
ولادتي وطفولتي كانتا في حضن دمشق… هناك، في حارة ‘كفرسوسة’ الشعبية، نشأتُ وتشرّبتُ تفاصيل الحياة.
لم تكن مجرد حارة، بل كانت نسيجاً سورياً دافئاً، جمع القلوب من كل الأماكن السورية وحتى من خارج حدود الوطن، عشنا فيها معاً عائلة واحدة.
كبرنا ولعبنا في أزقة الشام القديمة، بين دروبها الضيقة التي تفوح بالأمان، وأسوارها المبنية من طينٍ يخبئ قصص الراحلين والعابرين. ولأن دمشق لا تشبه أحداً، كانت حتى مدارسنا تفيض عراقة، فدرستُ في مدارسها وكانت واحدة منها بيتاً عربياً واسعاً، جدرانه تتنفس علماً وفناً.
_ كنتُ من المجتهدين دائماً، وشيئاً فشيئاً، بدأت تتشكل شخصيتي الواثقة، لتصبح تلك المرحلة النقطة المفصلية التي رسمت ملامح حياتي وقوتي.






_لو سألتموني عن المشهد الذي رُسم في ذاكرتي ولا يمحوه زمن، وعن الرائحة التي ما زالت ترافق أنفاسي حتى اليوم… فهي بساتين ‘الكبّاد’. ذلك الليمون البري الشامي الذي كانت تمتلئ به حاراتنا، تاركاً في الهواء عبيراً ساحراً لا يُنسى.
تلك الرائحة، يمتزج في مخيلتي معها صوت العيد، وأهازيجه الشعبية البسيطة، وصوت الأطفال وهم يغنون بحماس: ‘بكرة العيد وبنعيد…’
للعيد هناك نكهة خاصة، مغسولة بضحكاتنا وبراءة أيامنا. كل هذه التفاصيل، برائحتها، وأصواتها، ودفء ناسها، ليست مجرد ذكريات… بل هي الهوية التي أحملها في قلبي أينما ذهبت ومهما كبرت.
لو قُدّر لي أن ألتقي اليوم بتلك الطفلة ذات السبعة أعوام… لو وقفتْ أمامي الآن ونظرتْ إلى ما أصبحتُ عليه، لأدهشها كل شيء!
لأدهشها نمط حياتي، وتفاصيل يومي التي لم تكن يوماً ضمن مخططاتي الصغيرة. لقد تركتُ الأيام تقودني، وصنعتني الظروف المحيطة، لكنني لم أستسلم يوماً؛ فكلما فُرض واقعٌ عليّ، كنت أروّضه لأعيشه بأفضل وأجمل طريقة ممكنة.”






في طفولتي، كان هناك بطلٌ واحدٌ يملأ الكون حضوراً… أبي.
كان صاحب القرار، ومحط احترام الجميع، مثقفاً جريئاً يحمل هماً مجتمعياً، ويحملنا في قلبه حريصاً على علمنا وتفوّقنا. لكن الحكايات الجميلة مع الأبطال لا تدوم طويلاً… رحل أبي باكراً وأنا في الثانية عشرة من عمري، لتنتهي مع غيابه طفولة وتبدأ أخرى.”
موت الأب لم يكن رحيلاً لشخص فقط، بل كان زلزالاً غيّر معالم حياتي. وجدنا أنفسنا عائلة صغيرة، أمام أمٍّ شابّة في السابعة والعشرين من عمرها، بلا عمل، وفي مهب الريح.
اضطررنا لتغيير مدينتنا والعودة إلى طرطوس. هناك، ومنذ العام الأول، عشتُ بعيداً حتى عن حضن أمي… في بيت عمي.
أنا الطفلة التي كانت بالمس تلميذة متفوقة، تتسابق المعلمات للاعتماد عليها، وجدتُ نفسي فجأة في بيئة غريبة بالكامل. في الصف السابع، تحولتُ من تلك الفتاة الطموحة المشاركة في كل شيء، إلى فتاة منعزلة، انطوائية، تقف مستسلمة أمام مستقْبلٍ مبهم يملؤه الغموض والفقر.”
لم تكن الخيارات تملك رفاهية المنتقى، فالفقر وضيق الحال كانا يكتبان عناوين مستقبلي. لم أكن أملك القدرة على اختيار حلمي الدراسي، بل كنت مجبرة على السير في الطريق الذي تفتحه لي درجاتي… وهكذا دخلتُ فرع (الهندسة الزراعىة/المدنية/العمارة)، ولم يكن أمامي سوى خيار واحد: أن أنجح. وفعلاً، تغلّب الإصرار على العوز، وأحببتُ ما درست، وتفوقتُ فيه.”
(تغير نبرة الصوت إلى الهدوء والسلام…)
“تلك الفتاة المنعزلة التي خاف من غدها الجميع، عبرت محطات الجامعة، وتخرجت، وتزوجت، وأصبحت أماً… لتثبت لتلك الطفلة ابنة السبع سنوات، أن الصباح سيطلع حتماً، وأن الحكاية وإن بدأت مظلمة، فإن نهايتها تُكتب دائماً بنور الصبر والإرادة.”

الأمومة والشغف المهني
“تمرّ السنوات، وتكبر العائلة… وعندما كبر الأبناء وصاروا في الصف السادس تقريباً، التفتُّ إلى تلك المساحة التي ركّنتها طويلاً في زوايا الانتظار. شعرتُ أن الوقت قد حان لأمنح حياتي المهنية دفعة قوية إلى الأمام.
قررتُ أن أستثمر في نفسي، وأن أعطي وقتاً أكبر وجهداً أعمق لمهنتي كمهندسة زراعية، في محاولة حقيقية للعمل في المجال الذي أحبه. كانت تلك الخطوة بمنزلة إعادة اكتشاف لذاتي، وإثباتاً لأن أحلامنا لا تموت، بل تنتظر وقتها المناسب لتزهر من جديد.”
_عندما تسألني الأيام عن الجراح التي مرّت وعن الانكسار الذي كنت أتوقع أنه سينهيني؟
في الحقيقة، لم يعد هناك في قاموس الوجع جرحٌ أكبر من ذاك الذي تركه غياب أبي؛ لقد كان ذلك الفقد هو الزلزال الأكبر في حياتي.
ومنذ تلك اللحظة، تولدت في داخلي حصانة غريبة… يقينٌ عميق يهمس لي دائماً: ‘لقد عبرتِ الجرح الأكبر، وأي جرح يأتي بعده لن ينهيكِ أبداً’.
نعم، لا أحد يعلم غيب الأيام وما قد تحمله من ندوب قد تنهي طاقة الإنسان، لكنني حتى اليوم، أواجه كل الصدمات واقفة، متيقنة منذ لحظة الألم الأولى أنني قادرة على النهوض والمواجهة.
_أنا لا أحب أن أرتدي ثوب المعلم، ولا أرى في فصول حياتي دروساً ألقيها على الناس من برجٍ عاجي. لكن، لو كان لي أن أشارككم قيمة عشتها، فهي الإخلاص في العمل.
أن نعمل، ونعطي من وقتنا وجهدنا دون أن نرهن إخلاصنا بانتظار المقابل. نحن نعيش في واقع قد لا توازي فيه النتائج حجم التعب، واقعٍ تُبنى فيه التقييمات أحياناً على اعتبارات لا علاقة لها بالأمانة المهنية… نرى كفاح الصادقين يذهب في كثير من الأحيان لمن يتسلقون على جهود الآخرين، مما قد يبعث على الإحباط.
ولكن، إن نظرنا إلى النتيجة من زاوية أخرى، زاويةٍ تخصّ بناء شخصيتنا ونقائها، سنكتشف أن قيمة العمل المخلص تُضاف إلى إنسانيتنا، وهذا وحده مكسبٌ عظيم لا يُقدّر بثمن.
_حكايتي مع “#سنديان”: من الفكرة إلى الأثر
بدأت قصتي مع “سنديان” قبل أن تبصر النور رسميًا، يوم كنتُ مجرد منسق يجمع الأوراق، يدير الاجتماعات، ويخطط لأنشطة بيئية نحلم بها.
كبر الحلم، وبعد إشهار الجمعية اخترتني القلوب قبل المناصب لأكون رئيسة لمجلس الإدارة.
واصلنا السير بثبات على ذات النهج، نطور عملنا لنواكب كل جديد في عالم البيئة، شغفنا الأول والأخير.
لم يكن الطريق مفروشاً بالورد؛ واجهتنا تعقيدات إدارية، وغياب الوعي البيئي، وانعدام الدعم. لكننا أصررنا على المضي. كنا نجمع تكاليف حملات النظافة، التشجير، والمحاضرات من جيوبنا الخاصة كأعضاء مؤسسين. وبعد أربع سنوات من العمل كمجموعة، أشرقت “سنديان” رسمياً عام 2020.
البذر والنمو
منذ ذلك الوقت والجمعية تكبر كشجرة سنديان حقيقية؛ تضاعف عدد المتطوعين، وتنوعت أنشطتنا لتستهدف الجميع من أطفال، يافعين، شباب، وكبار.
_كل هذا الأثر كان ثمرة تعب جماعي وإصرار لا يلين، فرغم غياب أي دعم مادي أو لوجستي منظم من جهات رسمية أو دولية، كان إيمان الأعضاء وبعض الداعمين المحبين هو وقودنا الوحيد.
_ على الصعيد الشخصي، حجم العمل ضخم جداً ويزداد اتساعاً مع الأيام، مما يضعني تحت ضغط كبير يأخذ أحياناً من حساب حياتي الخاصة.

_أما السبب الذي يجعلني أستمر…
قربي الجغرافي من مكان الجمعية في طرطوس، وعائلتي الداعمة التي تحيطني بالمحبة والمساعدة.
بين واجبي كمهندسة زراعية في دائرة الحراج، ومسؤولياتي العائلية، وإدارتي للجمعية، تمتلئ ساعاتي الأربع والعشرون بالكامل.
قد يقصر المرء أحياناً تحت هذا الثقل، لكنه تقصير عابر نتجاوزه بالحب والمحاولة.
فلولا هذا التوازن، والدعم الذي يحيط بي، لما استطعت أن أكمل هذه الرحلة الجميلة حتى اليوم.
_حكمتي في الحياة، فهي مجموعة مبادئ أسير عليها لتكون بوصلتي وسط الأمواج والتقلبات:
أحاول دائماً أن أصنع توازني الخاص. في اللحظات العاصفة، وفي أوج المشادات والمواقف الصعبة، أتمسك بهدوئي، أسيطر على انفعالاتي، وأحاكم الأمور بالمنطق والعقل.
وقبل كل شيء… أبادر بالمحبة. أفتح قلبي للجميع بلا شروط؛ فإن بادلوني حباً بحب، فذاك نعم العطاء، وإن شحّت قلوبهم عن المبادلة، فأنا أعلم أن المشكلة ليست فيّ، وأتقبل الأمر بسلام.
فالنفس البشرية تحتمل الكثير من الضغوط والتقلبات التي لا حدود لها، وليس علينا أن نتوقع من الآخرين الكمال.
واجبي تجاه نفسي هو أن أبدأ أنا دائماً بالخير، بالعمل الطيب، وبالمحبة والإيجابية… وأترك الباقي للأيام والظروف.
_في زحمة هذه الرحلة وتفاصيلها، تسألني الأيام: لمن تحملين الامتنان؟
وأنا أشعر بامتنانٍ جارف يملأ كياني؛ أمتنّ لكل إنسان يملك ذلك ‘القلب الأبيض’ الذي يفيض بالمحبة دون أن ينتظر مقابلاً. أشعر بالامتنان للكون من حولي؛ للشجرة، للنهر، وللخالق العظيم الذي وهبني الصحة والقدرة على تذوق الجمال والتمتع بالحياة.
الحمد لله الذي خصّني بقوة التحمّل والصبر، وأشعر بالامتنان حتى لتلك الخريطة الجينية والروحية التي ميزني الله بها، وصنعتْ في داخلي هذا التوازن العجيب وسط كل التقلبات والعواصف التي مررنا ونمرّ بها جميعاً.”




لو كانت حياتي كتاباً… فما العنوان الذي سأختاره؟ وماذا عساها تكون الصفحة الأخيرة؟
في الحقيقة، هذا هو السؤال الأصعب. لا أظن أن الحياة يمكن اختزالها في عنوان واحد؛ فحياتي في النهاية هي حياة إنسان، ببساطتها وعاديتها وعمقها. أما الفصل الأخير… فذاك علمه عند الله وحده.
كل ما أتمناه ورجائي من الله، ألا تكون النهاية صعبة أو مؤسفة. أتمنى أن أعيش ما تبقى من العمر ببساطة، أن أكبر بسلام وبشكل طبيعي، ألا أثقل كاهل من أحبهم، وألا أكون خائفة.
الخوف هو الخصم الأصعب عندما نواجه فكرة النهاية؛ لذلك أنا أعمل على نفسي دائماً، وطوّرتُ في داخلي مهارتي الأثمن: مهارة التقبل. أن نتقبل الأشياء التي لا نملك القدرة على تغييرها لنحافظ على توازننا الداخلي؛ ففي نهاية كل رحلة، علينا أن نتقبل الختام… فالحياة ليست بدايات دائمة، ولكل شيء في هذا الكون بداية… ونهاية.
ولمن يستمع إلى حكايتي اليوم، أترك هذه الكلمات القادمة من عمق تجربتي:
لا تستعجلوا الوصول.
إن الجمال الحقيقي والسر الأجمل ليس في بلوغ القمة، بل في تفاصيل الطريق نفسه، وفي خطوات السعي والنجاح. استمتعوا بكل لحظة من حياتكم.
وأنا أقول لكم هذا، وأنا أعترف بكل شجاعة أنني لم أكن أطبق هذه النصيحة في الماضي؛ كنتُ مستعجلة دائماً للوصول، ليتبيّن لي لاحقاً أنني أهدرتُ على نفسي فرصاً كثيرة للاستمتاع بروعة الطريق وسحره.
لا تستعجلوا… ففي النهاية، لكل منا قدراتٌ ومساحة خطّها القدر له، لن يتجاوزها.
تقبّلوا قدراتكم، تصالحوا مع واقعكم، واسعوا للوصول إلى أفضل نسخة من أنفسكم… بتوازنٍ وثبات، ومن دون أن تحرقوا المراحل..
_كل الشكر والمحبة لكم ول صحيفة نحو الشروق الجزائرية
على هذا البرنامج الجميل.. ❤️
حكايا_الناس
صحيفة #نحوالشروق
إعداد : أ. #ناهد_حمود



إرسال التعليق