التنمر… كلمة قد تهدم إنسانًا وتصنع آخر
وسط مشاهد الفرح التي رافقت إعلان نتائج شهادة البكالوريا، لفت انتباهي موقف بسيط في ظاهره، لكنه يحمل رسالة عميقة. فقد سأل أحد المراسلين طالبة عن شعورها بعد النجاح، فأجابت بابتسامة امتزجت بدموع الفرح أنها لم تكن تحتفل بالنجاح فقط، بل بانتصارها على كل كلمة سلبية سمعتها في طريقها. اعترفت بأنها تعرضت للتنمر، وأن كثيرين أخبروها بأنها لن تحقق النجاح، وشككوا في قدراتها وذكائها، لكنها رفضت أن تجعل أحكام الآخرين نهاية لطموحها، بل حولتها إلى وقود يدفعها نحو هدفها حتى وصلت إليه.
هذه القصة ليست استثناءً، بل صورة تتكرر في حياتنا كل يوم. فكم من شخص حُكم عليه بالفشل لأنه لم يكن متفوقًا في البداية؟ وكم من إنسان كُسرت أحلامه بسبب كلمة استهزاء أو سخرية قيلت في لحظة دون تفكير؟
المؤسف أن البعض يظن أن الكلمات تمر مرورًا عابرًا، بينما الحقيقة أن الكلمة قد تبقى عالقة في قلب صاحبها سنوات طويلة. فقد تكون سببًا في فقدان ثقته بنفسه، أو في ابتعاده عن تحقيق حلم كان قادرًا على الوصول إليه. لذلك، قبل أن نحكم على أحد أو نقلل من شأنه، علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا لو كنا مكانه؟ هل كنا سنرضى أن يُنظر إلينا بالطريقة نفسها؟
ليس من حق أحد أن يقيس قيمة الناس بدرجاتهم الدراسية، أو بمستواهم العلمي، أو بمهنهم، أو بأوضاعهم الاجتماعية. فالنجاح لا يأتي بالطريق نفسه للجميع، ولكل إنسان رحلته الخاصة، ولكل شخص قدرات وميزات قد لا تظهر إلا مع مرور الوقت.
إن الله سبحانه وتعالى قسم الأرزاق بين عباده بحكمة وعدل. فليس الرزق مالًا فقط، بل قد يكون علمًا، أو صحة، أو محبةً في قلوب الناس، أو أسرةً مستقرة، أو أبناءً صالحين، أو حسن خلق، أو موهبة، أو راحة بال. لذلك لا ينبغي أن نقارن أنفسنا بغيرنا، ولا أن نحتقر من لم يُرزق بما رُزقنا به، لأن لكل إنسان نصيبه الذي كتبه الله له.
أما التنمر، فهو ليس مجرد مزاح كما يعتقد البعض، بل سلوك يؤذي النفوس ويترك آثارًا قد تستمر سنوات. هناك من استطاع أن يحول الإساءة إلى قوة، لكن هناك أيضًا من انهار بسبب كلمات قاسية، فأصابه الاكتئاب أو فقد ثقته بنفسه، وربما وصل الأمر عند بعض الأشخاص إلى التفكير في إنهاء حياتهم. لذلك فإن مسؤولية الكلمة عظيمة، وما ننطقه اليوم قد يكون سببًا في سعادة إنسان أو تعاسته.
ومن يتعرض للتنمر عليه أن يدرك أن المشكلة ليست فيه، بل فيمن يحاول التقليل من الآخرين. فكثير من المتنمرين تحركهم الغيرة، أو الحسد، أو الشعور بالنقص، فيحاولون إخفاء ضعفهم بالإساءة إلى غيرهم. ولهذا فإن أفضل رد عليهم ليس الدخول في جدال، وإنما النجاح، والثبات، والاستمرار في تحقيق الأهداف.
وفي النهاية، لنجعل ألسنتنا مصدرًا للتشجيع لا للإحباط، ولنتذكر دائمًا أن الكلمة الطيبة قد تبني إنسانًا، كما أن الكلمة الجارحة قد تهدمه. فلنزرع الأمل في نفوس الآخرين بدلًا من زرع اليأس، ولنعامل الناس كما نحب أن يعاملونا، فالدنيا لا تحتاج إلى مزيد من القسوة، بل إلى قلوب رحيمة وكلمات صادقة ترفع الهمم وتمنح الأمل.
بقلم: قرياز نفيسة – الجزائر



إرسال التعليق