قَيدٌ يُطلِقُ الفراشة
نعتادُ في كثيرٍ من الأحيان على الأشياء والأشخاص حتى نتوهّم أنّ بقاءهم شرطٌ لاستمرار حياتنا، بينما الواقع يُخبرنا بعكس ذلك تماماً. فبعض العلاقات تشبه حبلاً يلتف بالتّدريج حول أعناقنا، لا يقتلوننا دفعةً واحدة، بل يسرقون أنفاسنا يوماً بعد يوم تحت مسمّى الاعتياد.
فلن ننجو من أعباءِ الحياة دون أن نملك الشجاعة لتقديم التّضحيات. كلّ خبرةٍ نكتسبها وكلّ درسٍ نتعلّمه يحمل بطاقة سعر، ندفعه أحياناً من صحتنا، أو وقتنا، أو طاقتنا النفسية.
ولذا، فإنّ أعظم مهارةٍ يمكن أن نتعلّمها هي مهارة التّخلي بعد استنفاد محاولات الإصلاح عبر مجالات حياتنا كافّة : فبعض الأطعمة وإن كنت تحب طعمه تؤذيك وتثقل جسدك وبعض البيوت نغادرها وإن أحببنا جدرانها حين يهدّد سقفها بالانهيار، والتّخلي هنا أمان ورحمة، والعمل الذي يستنزف وقتك وطاقتك ويحرمك شغفك دون تقدير، أو يطفئ سقف طموحك، التّخلي عنه بداية لارتقاءٍ يستحقك، والعلاقة التي تفقدك ثقتك بنفسك وتستنزف سلامك الدّاخلي وتجعلك في حالة تبرير مستمرة، التّخلي عنها حماية لقلبك، والأصدقاء السّامون والمحيط الذي يُثقل كاهِلك بالسّوء واليقين النّاقص، مهما بلغت درجة تعلّقك بهم وقدم عهدك معهم، التّخلي عنهم نجاة، والأفكار القديمة التي لم تعد تشبهك، والصّور التّي كبّلت بها نفسك في الماضي، التّخلي عنها حريّة.
وتذكر دائماً عندما يتلف شعرك وتتصلّب أطرافه، تقصّه دون تردّد.. لا لتبكيه، بل ليعود أكثر قوّةً، وطولاً، وحيويّة.
الذّات البشريّة تعمل بالمنطق نفسه تماماً، تحتاج أن تتخفّف كي تتجدّد، دون أن تُثقل كاهلها بشعور الذّنب، فحماية روحك ليست أنانيّة، بل هي أولى خطوات التّعافي.
أنت مؤتمن على هذه الرّوح فضع نفسك أوّلاً، وارحم تلك الرّوح التّي زرعها الله داخلك، فأنت مؤتمن عليها ولست مالكاً لإهانتها أو تعريضها للاحتراق المنظّم. وكن على ثقة تامّة أنّ الخيرة دائماً فيما اختاره الله لك، وأنّ خسارة بضعِ سنواتٍ من العمر في طريق خاطئ، خيرٌ ألف مرّة من خسارة العمر بأكمله.
قد يأتي العلاج متأخّراً، وقد تبدو قرارات البتر مؤلمة في لحظتها، لكن ثق أن الشّفاء حتّى وإن أتى متأخّراً يمتلك القوّة ليحييك من جديد. فبعضُ الخسارات في ظاهرها وجع، وفي باطنها طوق نجاة وبداية لحياة أجمل وأوسع.
ختاماً.. أحِب نفسك ولا تفرّط بكرامة روحك، و ثِق بجميل صنع ربّك الذّي لا يبتليك ليؤذيك بل ليرفعك. التّخلي ليس نهاية الطّريق، بل هو أوّل خطوةٍ نحو ذاتك الحقيقيّة.
فما الذّي تنتظره بعد؟ ألم يحِن الوقت لتتحرر من تلك الأثقال؟ ربما هذه هي اللّحظة المناسبة تماماً لتأخذ القرار الشّجاع وتخطو خطوتك الأولى نحو التّعافي، فتجعل يسارك ماضياً طويته، ويمينك سعياً لتطوير مهاراتك وبناء عالمك الأجمل، لتبارك لنفسك يوماً أنّك أخيراً اتخذت القرار ونَجوت، واستقبلت فَجرك الجديد الذّي ستبنيه بيدك تحت رعاية الله ولطفه.
بقلم الآنسة: #مرام_حمود



إرسال التعليق