جاري التحميل الآن

وطنٌ مُصغَّر داخل حافلة بقلم الآنسة : مرام حمود

وطنٌ مُصغَّر داخل حافلة بقلم الآنسة : مرام حمود


من خلف مقعد السائق ، أجلس كمتفرجة وحيدة في الصفوف الأولى من مسرح الحياة الجوالة . هذه الحافلة بالنسبة لي ليست مجرد وسيلة نقل ، بل هي “وطنٌ مصغر” يجمع شتات الأحلام والانكسارات في مساحته التي لا تتعدى بضعة أمتار . من مكاني هذا ومن خلف نظرتي التي تعشق تأمل التفاصيل كرسامة ، أراقب الظهور المنحنية والوجوه التي تعكس مرايا الروح فرغم الصمت الذي يغلف الحافلة ، إلا أن ضجيج الأفكار بداخلها يكاد يصمّ الآذان .
تتنوع المشاهد أمامي كأنها وجوهٌ أحفظ ملامحها بدقة :
عاشقٌ خلف شاشة : شابٌ يحدق في جواله ، تلمع عيناه ببريقٍ خاص ، وتظهر على شفتيه ابتسامة بين الحين والآخر ، وكأنه في عالمٍ موازٍ غير مدرك لوعورة الطريق .
سباق مع الزمن : موظفٌ يفرك يديه بتوتر ، ينظر إلى ساعته كل دقيقة ، فكل إشارة مرور هي عدوٌّ يهدد لقمة عيشه .
الأمان والحنان : أمٌ تضم طفلها بقوة ، تحمل حقيبته المدرسية الصغيرة ، وكأنها في مهمة مقدسة لإيصال صغيرها إلى برّ الأمان .
ثقل الهموم : رجلٌ أسند رأسه إلى زجاج النافذة البارد من شدة النعاس ، وبجانبه رجل مديون يسرح في الفراغ ، ينسج في خياله خيوط قرض مستحيل يسد به ثقل الأيام .
رجاءٌ و انكسار : امرأةٌ ذاهبة للمستشفى لمرافقة شخص مريض سيخضع لعملية ، في صمتها صلواتٌ لا تنقطع وقلقٌ يملأ المدى .
في الجهة الموازية ، يتربع السائق في مملكته ، يصنع بخياراته الموسيقية المتناقضة خلفية المشهد ، تارةً بصوت فيروز الذي يمنحنا شعوراً بالسكينة ، وتارةً بأغنية شعبية تحاول لملمة تعب الطريق .

وفي نهاية الرحلة و رغم تعدد الوجهات واختلاف الغايات ، تجمعنا هذه الحافلة في “آنٍ” واحد . فنحن كيانٌ واحد مؤقت ، يسير في اتجاهاتٍ متباعدة ، لكننا نشترك في حقيقةٍ واحدة : أن لكل منا موقفٌ ونهاية لرحلته لحظة النزول .
ومع كل محطة ، يغادر بطلٌ مسرحي ليحل محله آخر ، بينما أبقى أنا في مقعدي ، أتأمل غيابهم وأتساءل بفضول : هل يشعرون بي كما أشعر بهم ..؟ ولربما هم أيضاً يتساءلون عني ، وعن الضجيج الذي يملأ رأسي وأنا أراقبهم ؟! .
بقلم الآنسة : مرام حمود

screenshot_20260719_182121_com_hihonor_photos_singlephotoactivity_edit_2420047378500244899250377742286532-728x1024 وطنٌ مُصغَّر داخل حافلة بقلم الآنسة : مرام حمود

إرسال التعليق