جاري التحميل الآن

حكايا_الناس ضيف العدد السابع عشر الفنان النّحات رامي وقاف  إعداد وتقديم أ. ناهد حمود

حكايا_الناس ضيف العدد السابع عشر الفنان النّحات رامي وقاف  إعداد وتقديم أ. ناهد حمود

الفنان النّحات : #رامي_وقاف
من سوريا / محافظة طرطوس إعداد : أ. #ناهد_حمود

بين أناملٍ تعلمت تشكيل الطين، وذاكرةٍ احتفظت بصميد الحجارة العتيقة، تُولد حكايةٌ لا تُحكى بالكلمات فحسب، بل تُنحت بالصبر والشغف. مرحباً بكم في حلقة جديدة من «حكايا الناس»، ونبضُ حكايتنا اليوم يأخذنا إلى عوالم الصبر والأمل، برفقة الفنان والنحات السوري رامي وقاف… رجلٌ أذاب الفن في روحه، وصاغ من الحجر والبرونز حكايات تُشبه الحياة وأثراً لا يمحوه الزمن .

_تبدأ الحكاية من حارةٍ عتيقة، تحت جدران منزلٍ دافئ… طفلٌ صغير تنساه أمه لبضع دقائق، فيغوص في التراب، يلمس الحجارة، ويكتشف العالم خارج الجدران بصمتٍ وشغف.
لم يكن طفلاً عاديّاً، بل كان محظوظاً لأن الطبيعة احتضنته في “كسب”؛ حيث الأشجار والسحر والخليط البشري الجميل، بعيداً عن إسفلت المدن وحدائقها المصطنعة.
ولأن الأقدار ترسم خطوتنا الأولى دون أن ندري، كانت زياراته المتكررة مع والده إلى مدينة “تدمر” هي الشرارة الأولى. هناك، في متحفها العريق، كان يطيل النظر إلى التماثيل المنحوتة؛ تشكلت ذاكرته البصرية، وشعر بانتماءٍ غريب لهذه الحجارة، وكأن حلم صغره كان يحثه على تقليد تلك الآثار ليترك بصمته الخاصة عندما يكبر.

_ولو استطاع “رامي الطفل” ذو السبع سنوات أن يستشرف المستقبل ويرى “رامي اليوم”، لشاهد أمامه أحداثاً كأنها فيلمٌ سينمائي صامت، أو روايةٌ ملؤها الألغاز والأحاجي
أما رامي الفنان، فحين يعود بذاكرته إلى ذلك الطفل، يرى السعادة الحقيقية التي كانت تتجلى في لعبة صغيرة أو قطعة حلوى.

_كان والده في عينيه البطل الذي يحقق المعجزات، ومع توالي السنين وانكشاف مصاعب الحياة، تحول ذلك الإبهار إلى احترامٍ عميق وتقديس لجهد الآباء. وبينما يسرق الكبار الفرح سرقةً كل بضعة أيام أو أسابيع، يلتفت رامي لنسخته القديمة ويهمس لها بحب: “لا تكبر… إياك أن تكبر.

_لم يكن طريقه مفروشاً بالورد. في مرحلته الإعدادية، كان يهرب من حصة الرياضيات ليحضر حصة الرسم في شعبة أخرى وعندما كبر ودخل المرحلة الجامعية، وجد نفسه أمام واقع شاب سوري يتوجب عليه العمل والدراسة معاً. خاض دراسة الأدب العربي أكاديمياً، واستمر في تنمية شغفه الفني في المراكز التابعة لوزارة الثقافة، سائراً في ثلاثة مسارات شاقة في وقت واحد.
لكن الموهبة تفرز نفسها دائماً؛ صنع تمثالاً صغيراً من الطين، فلفت أنظار أستاذه في معهد الفنون التشكيلية، والذي فتح له أبواب مشغله الكبير للبرونز. عمل هناك لأربع سنوات، يتعلم أصولة المهنة ويصقل موهبته، حتى تخرج عام 2001 وأسس مشغله الخاص بأدواتٍ استدان ثمنها.
لم تكن البدايات سهلة؛ مرت السنوات الأولى (2003 و2004) جافة بلا مبيعات، وتراكمت الصعوبات.
ولكي يستمر، عمل بالتدريس لثماني سنوات، تنقل خلالها ورشة عمله معه كرفيقة درب في عربة القطار إلى الحسكة وعلى الحدود، يدرس صباحاً وينحت ليلاً، حتى عاد إلى دمشق وقدم استقالته ليتبع حلمه الأكبر.

_ وفي عام 2006، حانت لحظة التحول الفني والقفزة الكبرى؛ صمم رامي جائزة مهرجان دمشق السينمائي الدولي بأقسامها المختلفة، فنالت إعجاباً واسعاً، وأصبح منذ ذلك الحين المصمم المعتمد لجوائز المهرجانات والمؤسسة العامة للسينما ووزارة الثقافة.
توالت النجاحات والإنتاجات، وعبرت أعماله البرونزية حدود الوطن لتصل إلى دول الخليج وأوروبا. وقّع عقد احتكار مع صالة “غابرييل فاين آرت” في لندن، ونال جوائز في بينالي لندن، وشارك في معارض بارزة في بيروت وأبوظبي، بل وأُهديت إحدى منحوتاته لرئيس جمهورية بيلاروسيا.
لكنه رغم كل ذلك، لم يتعالَ على الفن؛ بل ظل يعتبرها رحلة عمل ومثابرة مستمرة، مؤمناً بأن الفنان لا يملك مشاعر أكثر من غيره، بل يملك “ملكةً” يعبر بها عن ذاته، تماماً كما يفعل الشاعر والموسيقي.

_حين عصفت الظروف بسورية، واختار العديد من رفاقه الهجرة، فضّل رامي البقاء.
كان المصلوب بحب أرضه وذكرياته، رافضاً المغامرة بعيداً عن التفاصيل التي شكلت وجدانه.
من رحلته الشاقة هذه، يبعث رامي وقاف برسالة لكل إنسان: “لا تيأس ولا تستسلم.. لا توجد نهاية طالما في العمر بقية، واليأس هو المرض الحقيقي”.

يمتنّ لكل طائرٍ يغني، ولكل وجهٍ يبتسم، ولكل من منح حياته لحظة فرح.
يواصل عمله لأكثر من 12 ساعة يومياً، زادُه في ذلك رؤية وجه طفلته الصغرى—بطلة حكايته الحقيقية التي تشرق الدنيا بإشراقة وجهها.
حكايته، كما يقول، محكومةٌ بالأمل؛ رسالتها المحبة، وسرها العمل الدؤوب الذي لا ينتهي…

_هكذا ينحت رامي وقاف حكايته، لا بالبرونز والحجر فحسب، بل بالإصرار والمحبة التي تفيض بها روحه. كل الشكر للفنان رامي وقاف على هذا العطاء، وشكراً لكم متابيعنا على طيب المتابعة… وإلى حكاية جديدة من «حكايا الناس» تضيء أرواحنا بالأمل..

حكايا_الناس 📝

إعداد : أ. #ناهدحمود صحيفة #نحوالشروق

إرسال التعليق