هناك ستائر من الدانتيل الرقيق، مُوشّاة بخيوط الذهب، والألوان المبهجة التي تَسُرُّ الناظر في بهوٍ أنيق؛ سِترٌ يحجب الكثير من الأسرار، ولغةُ المحبين البكماء.
يحدث أحياناً أن يسكب القمر فضته الذائبة على ظلمة الحياة فيضيئها حين يتسلل عبر الستائر دون استئذان، وكذلك تفعل الشمس في جمالٍ رائقٍ شفيف.
على الجانب الآخر؛ هناك ستائر من القماش السميك، لا تتدلى من مواسير مُذهبة أو فضية، بل عُلِّقت بمسامير صدئة فوق شباك متداعٍ. تختلف الستائر باختلاف الأماكن؛ تُشبهنا، وتعرفنا، وتفرّق بين أوجاعنا؛ ذلك الوجع غير المتشابه. لا تنبش الجرح، لكنها تبلغ أقصى توحشها حين تبرز انفلات ثوبٍ يشي بتقاطيع أجساد البنات متحررات الضفائر. غرائب الحياة والصدف والتوافقات لا يمكنك رؤيتها دون كاميرات أو نظارات مُعظِّمة، لكنها خلف الستائر شفيفة وواضحة، مما يجعلك ترتاب في منطق الأشياء.
هذه الفتاة التي تجلس خلف الستائر الموشاة برقائق الدانتيل، منتصبة الجذع كحرف الألف، ليست وحدها؛ لكنها مزدحمة المشاعر، آسفة على حبٍ ولى في أول مطبٍ عاصف مع من أحبته، ورؤيتها له بصحبة امرأة أخرى. كيف للسماء التي تبلغ كل هذا الصفاء أن يعيش تحتها أناسٌ يجرحون بعضهم البعض بكل هذه القسوة؟
سؤال ساذج؟
جوابه: الغرقى لا يهتمون بالبلل.
الستائر وحدها تتذكر ما جرى خلال الليل والنهار. يمكن للصباح أن يكون بارداً وضبابياً، ضبابٌ يؤدي إلى صُفرة تحجب الستائر كلها؛ الرقيقة والسميكة، والتي لا يمكنها كشف العواطف الصادقة والزائفة، والطلاء الكاذب فوق الوجوه، والابتسامات الصفراء المتملقة. ما أقسى أن يُبطن المرء عكس ما يُظهر!
وهناك، خلف الستائر السميكة باهتة اللون، ضوء مصباح شحيح مشنوق في سقف حجرة قليلة الأثاث، تجلس تحته فتاة شاردة في ليل العالم الواسع، تشبه ابتسامة مفاجئة في وجه إنسان متعب قلّما تنفرج أساريره، تنم عن انفراط الأسى والهم. الستائر في رقصها كطيرٍ مذبوح، تخفي أحلاماً رمادية موشاة برقائق الدانتيل، تضرب وجه الفتاة الحالمة، واسعة الحدقتين، شاحبة الوجنتين.



إرسال التعليق