جاري التحميل الآن

ضيف على ضفاف الإبداع: محمد قادري.. أكتب من رحم الواقع وأؤمن بأن الأدب رسالة.

ضيف على ضفاف الإبداع: محمد قادري.. أكتب من رحم الواقع وأؤمن بأن الأدب رسالة.

يُعدّ الأديب والكاتب الجزائري محمد قادري واحدًا من الأصوات الأدبية التي اختارت أن تجعل من الواقع منبعًا للإبداع، فتنوعت أعماله بين القصة والرواية والشعر والمقال، مستلهمًا موضوعاته من تجارب الحياة اليومية وقضايا المجتمع وهموم الإنسان. وقد تناول في مؤلفاته قضايا تاريخية واجتماعية وفكرية حساسة، من العشرية السوداء إلى الهجرة غير الشرعية، مرورًا بقضايا التربية والشباب والهوية.
في هذا الحوار مع صحيفة «نحو الشروق» للثقافة والإعلام، يحدثنا محمد قادري عن بداياته الأدبية، وأبرز محطاته الإبداعية، ورسائله الفكرية، كما يكشف عن مشاريعه الأدبية القادمة ورؤيته لدور الأدب في بناء الوعي المجتمعي.
س: تمتد تجربتكم الأدبية عبر سنوات من الكتابة والعطاء، كيف كانت البدايات الأولى التي فتحت لكم أبواب عالم الأدب، ومتى أدركتم أن الكتابة ستكون جزءًا من مسيرتكم الفكرية والإبداعية؟
ج: أنا محمد قادري، من مواليد سنة 1953 بمدينة شلغوم العيد. باستثناء المرحلة الابتدائية التي درستها في مسقط رأسي، فقد كانت دراستي المتوسطة والثانوية والجامعية كلها بمدينة قسنطينة. بدأت موهبتي في الكتابة تبرز من خلال مشاركتي في المجلات الحائطية التي كانت رائجة آنذاك، وكان لأستاذي المصري في مادة الأدب فضل كبير في تشجيعي على خوض هذا المجال.
أما أول قصة كتبتها فكانت متأثرًا بحادثة انتحار وقعت من جسر الهواء، المعروف بقنطرة الحبال بقسنطينة، عندما كنت في السنة الثالثة متوسط، وقد حملت عنوان «انتحار في ليلة زفاف». بعد ذلك واصلت كتابة محاولات قصصية في كراسات خاصة، وكان تلاميذي يتداولونها عندما التحقت بالتعليم أستاذًا في الطور المتوسط.
كما كتبت مقالات صحفية في جريدة «النصر»، خاصة في مجال النقد المسرحي، من بينها مقال حول مسرحية «المحقور» للفرقة المسرحية القسنطينية، إضافة إلى مقال بعنوان «المعلم والمجتمع» صدر في ست حلقات.
وظلت قصصي وأشعاري حبيسة الأدراج إلى غاية سنة 2019، خلال فترة جائحة كورونا، حيث جمعتها في أول كتاب لي بعنوان «ذكريات ذات يوم». عندها أدركت أن الكتابة ستكون جزءًا لا يتجزأ من مسيرتي الفكرية والإبداعية.
س: أصدرت العديد من الأعمال الأدبية المتنوعة بين الشعر والقصة والرواية والمقال. كيف تختار الجنس الأدبي الذي تعبّر من خلاله عن أفكارك وتجاربك؟
ج: أؤمن بأن الفكرة هي التي تحدد القالب الأدبي المناسب لها. فهناك موضوعات تحتاج إلى القصة القصيرة بما توفره من تكثيف وتركيز، بينما تتطلب قضايا أخرى فضاء الرواية بما تمنحه من عمق في بناء الشخصيات وتحليل الأحداث. أما المقال فأراه المجال الأنسب لطرح الأفكار والقضايا الفكرية والاجتماعية بصورة مباشرة. لذلك فإنني لا أختار الجنس الأدبي مسبقًا، بل أترك الموضوع نفسه يفرض الشكل الذي يناسبه.
س: في كتابكم «ذكريات ذات يوم»، ما الرسائل والأفكار التي سعيتم إلى إيصالها للقارئ؟
ج: في الحقيقة لم يكن هذا الكتاب مشروعًا فكريًا موجّهًا بقدر ما كان تجربة أولى جمعت فيها حصيلة سنوات طويلة من القصص والأشعار. كان الهدف الأساسي توثيق تلك البدايات وإخراجها إلى النور بعد أن بقيت لسنوات طويلة محفوظة في الأدراج.
س: في كتاب «كن كشجرة الخريف» جمعتم بين التربية والأخلاق وقضايا المجتمع والتنمية البشرية. ما الفكرة المحورية التي انطلقتم منها أثناء تأليف هذا العمل؟
ج: هذا الكتاب يضم مجموعة من المقالات التربوية والأخلاقية والفكرية والعلمية والدينية، تناولت موضوعات متعددة تخص التعليم والشباب والمرأة والعلاقات الأسرية ومكانة العلم والعلماء.
وقد انطلقت فيه من فكرة أساسية مفادها أن هناك قضايا مجتمعية مهمة ظلت لفترة طويلة تُعد من المسكوت عنه أو يُنظر إليها بحذر، مثل قضايا المرأة والشباب وتنشئة الأطفال وبعض الممارسات المرتبطة بالدعوة الدينية، إضافة إلى قضايا اجتماعية حساسة أخرى. لذلك حاولت طرحها بجرأة وموضوعية، إيمانًا مني بأهمية فتح النقاش حولها بما يخدم المجتمع.
س: رواية «ملوكة» تناولت مرحلة مهمة وحساسة من تاريخ الجزائر. ما الدوافع التي شجعتكم على الكتابة عن هذه الحقبة؟
ج: أردت من خلال رواية «ملوكة أو الحواجز المزيفة» أن أؤرخ لمرحلة مؤلمة وحساسة من تاريخ الجزائر، وأن أستعرض تأثيراتها النفسية والاجتماعية على الأفراد والعائلات.
استندت في الرواية إلى أحداث حقيقية عايشت جزءًا منها خلال سنوات العشرية السوداء، خاصة عندما كنت مديرًا لمتوسطة في منطقة حساسة. وقد ركزت على مأساة الانقسام بين أبناء الوطن الواحد، من خلال قصة أم أنجبت ولدين؛ أحدهما التحق بالخدمة الوطنية والآخر انضم إلى الجماعات المسلحة، لتعيش الأم بين الخوف والانتظار والألم. ومن خلال هذا النموذج الإنساني حاولت تجسيد حجم المعاناة التي عاشها المجتمع الجزائري في تلك الفترة.
س: في مجموعتكم القصصية «الوداع الأخير»، ما أبرز القضايا التي تناولتموها؟
ج: تناولت المجموعة قضايا إنسانية واجتماعية متعددة، من بينها القضية الفلسطينية وما يجري في غزة، وقضية الهوية، كما ضمت نصوصًا تنتمي إلى أدب الرحلات استلهمتها من أسفاري إلى إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبلجيكا.
وقد تأثرت في هذا اللون الأدبي بكتابات أنيس منصور والدكتور مصطفى محمود، حيث حاولت أن أنقل للقارئ تفاصيل الرحلة ومشاهداتها وتأملاتها الإنسانية والفكرية.
س: رواية «سارة في جزيرة الجماجم» عالجت موضوع الهجرة غير الشرعية. كيف ترون دور الأدب في مناقشة قضايا الشباب؟
ج: تناولت الرواية ظاهرة «الحرقة» من خلال شخصيات مستوحاة من الواقع، وبالاعتماد على شهادات حقيقية لأشخاص خاضوا هذه التجربة. وقد سعيت إلى إبراز الأسباب النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الشباب إلى ركوب قوارب المجهول.
وأرى أن الأدب يملك قدرة كبيرة على التوعية لأنه يخاطب العقل والوجدان في آن واحد. وقد حاولت أن أُظهر كيف تحوّل البحر إلى مقبرة زرقاء لأحلام وردية، وكيف يجد بعض الشباب أنفسهم بين أمل العبور وخوف الغرق، في رحلة يطاردون فيها سراب الحرية، بينما يدفعون أحيانًا أثمانًا باهظة.
س: كيف أثرت تجربتكم في قطاع التعليم والعمل القنصلي على رؤيتكم الأدبية؟
ج: لا شك أن عملي في قطاع التعليم، ثم في السلك القنصلي بوزارة الشؤون الخارجية، أتاح لي الاحتكاك بمختلف شرائح المجتمع والتعرف على تجارب إنسانية متنوعة. ولذلك اتجهت كتاباتي نحو الأدب الواقعي الذي يستمد مادته من الحياة اليومية ومن هموم الإنسان البسيط.
لقد ساهمت تلك التجارب في إثراء رؤيتي للأحداث والشخصيات، وجعلتني أكثر قربًا من نبض المجتمع وقضاياه الحقيقية.
س: إلى أي مدى ساهم تكوينكم القانوني في بناء شخصياتكم الروائية وصياغة أفكاركم الأدبية؟
ج: منحني التكوين القانوني قدرة أكبر على التحليل وفهم الدوافع والخلفيات المختلفة للشخصيات والأحداث. كما ساعدني على بناء حبكات تقوم على المنطق والبحث والتقصي، وهو ما أحرص عليه دائمًا في أعمالي الروائية التي تسبقها عادة مرحلة طويلة من البحث وجمع المعلومات.
س: ما أبرز مشاريعكم الأدبية القادمة؟ وما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الجيل الجديد من الكتّاب والقراء؟
ج: لدي حاليًا روايتان جديدتان، ومجموعتان قصصيتان، إضافة إلى مجموعة شعرية، وهي أعمال جاهزة ولم تُطبع بعد.
أما رسالتي إلى الجيل الجديد فهي أن يجعلوا القراءة أسلوب حياة، وأن يطالعوا أعمال كبار الأدباء والشعراء والروائيين، وأن يتحلوا بالصبر والتواضع. كما أنصحهم بعدم التسرع في نشر أعمالهم قبل مراجعتها وتدقيقها، فالحكم الحقيقي على الكاتب يبقى للقارئ والنقاد، لا للتقييم الذاتي.
س: في الختام، ما الكلمة التي تودون توجيهها لصحيفة «نحو الشروق» للثقافة والإعلام ولجمهورها الكريم؟
ج: أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى صحيفة «نحو الشروق» للثقافة والإعلام، وعلى رأسها الأستاذة عبلة البشير، على هذه المبادرة الطيبة والاهتمام بالأدباء والمبدعين. وأتمنى للصحيفة مزيدًا من النجاح والانتشار، وأن تواصل أداء رسالتها الثقافية والإعلامية النبيلة.
كما أدعو جمهورها الكريم إلى الالتفاف حولها ودعمها حتى تواصل إشعاعها الثقافي وتبقى منبرًا يساهم في نشر الفكر والمعرفة والإبداع.
وأود أن أضيف أنني خلال سنوات الدراسة بقسنطينة كنت منخرطًا في النشاط المسرحي ضمن فرقة مسرحية، كما اجتزت بنجاح تجارب أداء للمشاركة في فيلم «حيزية» بمقر الإذاعة والتلفزيون بقسنطينة، غير أن ظروفًا خارجة عن إرادتي حالت دون مشاركتي في العمل. وقد أسهمت تلك التجارب الفنية في صقل شخصيتي الثقافية وتعزيز علاقتي بعالم الإبداع والفنون.
يمكن أيضًا إعداد مقدمة صحفية أدبية أقوى و�⁠عنوان رئيسي فرعي احترافي بصيغة الجرائد الثقافية الجزائرية ليبدو الحوار منشورًا في صفحة ثقافية كاملة.

إرسال التعليق