صدى الوجوه ومرآة القلوب: الإعلامية رشا النقري
هناك أشخاص لا يقرؤون الخبر، بل يعيشونه… ولا ينقلون الحكاية، بل يصبحون جزءاً من فصولها.”
من مدينة حمص، حيث تتجذر الطيبة في تفاصيل البيوت العتيقة، وحيث يروي الحجر حكايات الصمود والصبر، خرجت الإعلامية رشا النقري وهي تحمل في قلبها شغف الكلمة الصادقة، وفي عينيها بريق الإنسانية.
لم تختر الإعلام ليكون مجرد شاشة وأضواء، بل جعلت منه رسالة، وملاذاً، وجسراً يربط بين قلوب البشر.
برنامج “حكايا الناس.. حيث للكلمة نبض
في برنامج حكايا الناس”، لا تبحث رشا النقري عن العناوين الرنانة أو الإثارة العابرة، بل تغوص عميقاً في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن السوري.
إنها تنصت بأذن قلبها قبل ميكروفونها، لتستمع إلى وجع أم، وكفاح أب، وحلم طفل وسط الركام.
تتنقل بين الأزقة والحارات، تجمع شتات القصص المنسية، وتعيد صياغتها بأسلوبها الدافئ والقريب من الروح، لتبث في كل حكاية أملاً جديداً.
تثبت في كل حلقة أن الإعلام الحقيقي هو الذي ينحاز للإنسان أولاً وأخيراً.
رشا النقري، ابنة حمص، هي النموذج للمرأة السورية المعطاءة؛ التي حوّلت مآسي الواقع إلى قصص ملهمة من التحدي.
بابتسامتها الهادئة وصوتها المحمل بالدفء، تذكرنا دائماً بأن خلف كل وجه متعب حكاية تستحق أن تُروى، وأن الإنسانية هي اللغة المشتركة التي تلامس القلوب دون استئذان…



رشا الطفلة و رائحة حمص وبداية الشغف.. الرائحة التي لا تذهب من بالي هي رائحة الدكاكين الصغيرة بين صابون الغار وحبات السكاكر بالحارات القديمة بحمص
تلك الدكاكين الصغيرة التي كنت أتنقل بينها طفلةً بضفيرتين، وجوه البائعين السمحاء، والبيوت التي كنا ندخلها دون موعد فتفتح لنا قلوبها قبل أبوابها..
هي مشاهد عصية على النسيان.
تأخذني الذاكرة طائعةً إلى مدينتي #حمص، هناك حيث تشرّبت روحي معنى الطفولة والصبا.
_مع كل تلك التفاصيل الصغيرة، كنت –وما زلت– أحلم بحلم مجنون: أن أمشي على حدود الكرة الأرضية كاملة. يشدني الحنين إلى الأمس، ويدفعني الأمل إلى الغد، في شعور غريب يلازمني منذ الصغر.




_يقولون إن الزمن يغيرنا، لكني أظن أن البذرة الأولى في أرواحنا تبقى كما هي. العالم لا يغيرنا، نحن فقط نكبر لتتسع زوايا رؤيتنا للحياة وقصصها.
لسنا سوى ردود أفعال وتراكمات لكل تلك التجارب التي نمر بها.
اليوم، أفكر كثيراً: ما الذي قد يدهش طفلي لو رآني في عمره؟
يقيناً، ستدهشه رؤيتي وأنا ألعب في الزقاق بحرية مطلقة، بينما أمنعه هو اليوم أحياناً.. خوفاً عليه. نعم، فمع الأمومة.. وُلد الخوف.
_في حكايتي، لم يكن هناك بطل واحد؛ بل كان الأبطال هم كل من حولي. أمي، أبي، وعائلتي الكبيرة.
أنا ابنة عائلة تقدس العلم والعمل، عائلة علمتني أننا لا نستطيع –ولا يجب– أن نشبه أحداً.
كل يوم يمر، أكتشف أنني مختلفة، وأجدني أقاتل بشراسة لأدافع عن هذا الاختلاف.






درست الأدب الإنكليزي في جامعة حمص، وحصلت على دبلوم الإعلام من الأكاديمية السورية للتدريب والتطوير في دمشق. والمفارقة أن الشغف الثاني سبق الأول فمنذ طفولتي والتمثيل يسكنني، ورغم غياب التشجيع العائلي آنذاك، إلا أن بوصلتي لم تخطئ.
خلال إقامتي في دمشق، قادني الشغف لدراسة الإعلام، ليتحول من مجرد طموح إلى مهنتي وهويتي.
تدرجت في المركز الإذاعي والتلفزيوني في محافظة طرطوس؛ من محررة، إلى معدة، ثم مقدمة برامج إذاعية وتلفزيونية.
أما عن النجاح.. النجاح هي كلمة ليست بالبسيطة.
لقد صافحت هذا الشعور عدة مرات، وكلما بحثت عنه وجدته ينتظرني، لكن الطريق إليه لم يكن يوماً مفروشاً بالورود؛ بل كان بحاجة إلى تعب، جهد، مثابرة، وصبر أيوب.
_كان الخروج عن المألوف هو طبيعة عملي، ومواجهة نظرة المجتمع وتقبله للإعلامية كانت تحدياً يومياً.
لكنني كسرت عتبة الخوف، مؤمنة بأن كل شيء بيد الله، وبأنني يجب أن أستقبل يومي دائماً برحابة صدر.
_معلمي الأكبر في هذه الحياة هو #القدر.
كلما أوشكت على الاستسلام، أخذ بيدي نحو الأفضل. وفي عثراتي، كان هناك دائماً الجنود المجهولون.. متابعيني الداعمين عبر الشاشات ومواقع التواصل، الذين يرممون يأسي بكلماتهم، فأشعر بالدافع وأستمر.
_لقد لمست بيدي حقيقة أن أحداً لا يتحكم بقدر أحد؛ كل شيء مكتوب.
والفخر الذي أعيشه اليوم ليس ذكاءً مني، بل هو فضل ونعم من الله أشكره عليها آناء الليل وأطراف النهار. حتى الأشياء التي نهملها.. تعود إلينا إذا كانت لنا.


قدرتي على الكتابة ولدت من رحم الوجع، في سنوات الحرب القاسية. كتبت حينها بدافع التشافي، ثم طويت الأوراق. لكن الكتابة عادت لتطرق بابي مع جائحة كورونا، لتعلن ولادتي ككاتبة. تعلمت حينها أنه لا يجب علينا أن نطوي كتاب حياتنا قبل الأوان، بل علينا أن نقف مع أنفسنا ونناضل لأجل ما أراده الله لنا.
من عتمة الروح إلى نور الاستمرار
ومع كل ما حملته لي الأيام، وصلتُ إلى مرحلة بَسطت فيها الحياة لي أجنحتها؛ لم يعد هناك ما يقلقني أو يدفعني للتفكير الطويل.
صرتُ أنتظر اليوم التالي بكل حب، وشغف، وحتى بتعبه وجهده. أنا اليوم في هذه الحياة لاعبةٌ لا تعرف الخسارة، لأنني تعلمت كيف أرى حلاوتها وسط الركام.
في طريقي، كلما تسلل إليّ شعورٌ ثقيل بأن ما أفعله سخيف أو بلا جدوى، تأتيني رسالة ثناء واحدة كطوق نجاة.
صرتُ معروفة في الشوارع، يلمحني الناس فيبتسمون ويقولون: نحن نعرفكِ ونتابعكِ. هنا بالذات، تولد فيّ طاقة أكبر، وطموح أقوى يهمس لي: أكملي…
غفي الأيام التي يتكدر فيها مزاجي، أستيقظ، أضع المكياج ، أطهو، وأصور… أجد في عيون الناس الدافع الأجمل لأبدأ من جديد..
عتمة روح.. وفلاش باك
فجأة، جاءت الكهرباء…
انبعثت الأصوات من حولي فجأة بعد صمت طويل.
لم يطرق أحدٌ الباب، ولم أفتحه، فمن إذن؟
إنها الآلات الكهربائية عادت للحياة؛ البراد بدأت الأشياء بداخله تتحاور مجدداً، الغسالة تابعت رحلتها التي توقفت لساعات، والبطاريات تستعجل تخزين ما تيسر من النور لإنارة ما حولنا… حتى وإن غطت عتمة الروح على كل شيء.
كنت دائماً أتساءل بمرارة: في هذه العتمة، وبلا كهرباء، مَن يا تُرى يرانا..؟
وفي تلك اللحظة، أضاءت شاشة هاتفي بمحادثة من صديق يحمل لي سلاماً من طبيب ألماني يدعى هولاين. قال لي: “إنهم يتابعونكِ من الخارج، ويرون فيكِ وجهاً جميلاً للأمل.
بعد ربع ساعة فقط، رحلت الكهرباء وعاد الصمت ليطبق على كل شيء…
لكن شيئاً ما في داخلي لم يرحل. ثمة شمعة اتقدت، ونورٌ ولد في مكان ما.
صار اسم هولاين، وكل كلمة طيبة من غريب أو قريب، بمثابة اليد التي تنتشلني كلما تملكني اليأس.

حكمتي باختصار: “الاستمرار هو سر النجاح، ومن أراد الوصول سيصل.. لكن ليس بسهولة”.
امتناني الأول لعائلتي؛ لأمي وأبي.. نحن أسرة ورثت النجاح والتميز كابراً عن كابر.
لأمي التي ما زالت تشعرني أنني طفلتها الصغيرة المدللة رغم كل سنواتي.
وامتناني العميق لزوجي، شريك الدرب الذي يقف حامياً لاختلافي، ولا يجعل من هذا الاختلاف خلافاً.
ولو كان لأيامي كتاب، لكان عنوانه: (لوين؟). أما جملته الأخيرة فستكون حتماً: (الحمد لله). نهاية حكايتي ليست نهاية، بل هي ذاك الهدف الذي ألمحه كل يوم في الأفق، وأثق بأنه سيكون أجمل بكثير مما أتخيل.
رسالتي لكم من قلب هذه الحكاية:
“كن أنت.. كن مختلفاً، فلا عيب في الاختلاف.
الكارثة الكبرى هي أن يبقى ما في داخلك يضج بالصمت.. دعه يخرج، دعه يتنفس على هيئة فكرة، أو لوحة، أو قصة..
_استمر في تطورك و بعلمك وعملك لا تكف عن ذلك ولو كانت النتائج بشكل بطيء..
شكراً لكم.. وهل هناك في هذه الدنيا أجمل من الشروق..؟
حكايا_الناس 📖
صحيفة #نحوالشروق إعداد : أ. #ناهدحمود



إرسال التعليق